ترك الفنان الإسباني الراحل بابلو بيكاسو نفسه تنجر وراء إغواء السنوات الأولى من عمر التلفزيون عندما اشترت زوجته جاكلين مطلع الستينيات جهازاً للترفيه عن الذات خلال الساعات الطويلة التي كان يقضيها الرسام في محترفه، وحينها اكتشف بيكاسو عالماً جديداً من الصور والمشاهد بالأبيض والأسود التي كان لها تأثير على إنتاجه الفني خلال سنوات عمره الأخيرة. وكانت برامج السيرك والمصارعة والأفلام والمسلسلات التلفزيونية أثيرة على قلبه.
وافتتح متحف بيكاسو في مدينة ملقة الإسبانية أخيراً معرضاً جديداً تحت عنوان «بيكاسو تي في» يبين تلك الروابط التي لم تكن متصورة بين بعض الأعمال التي أبدعها رسام ملقة في السنوات الأخيرة من حياته وبين البرامج التلفزيونية التي كان يبثها التلفزيون الفرنسي في ذلك الوقت. وسيظل المعرض مفتوحاً حتى 16 نوفمبر المقبل.
شعبية التلفزيون
أجزاء من أفلام ومسلسلات عدة، كلها تصب في سياق فترة أضفى خلالها التلفزيون طابعاً شعبياً على العروض الفنية والرياضات ونشرات الأخبار، وتشكل جزءاً من هذا المعرض الذي أنجزه متحف بيكاسو ملقة بالتعاون مع متحف الفن بابلو بيكاسو مونستر ومؤسسة بانكاخا في فالنسيا.
ويضم ما مجموعه 57 عملاً 53 منها نقوش وأعمال حفر وعملان مطبوعان على الحجر ولوحتان زيتيتان أبدعهما بيكاسو في عام 1968، حيث يجري الحديث عن رسومات أولية لرجال يرتدون القبعات والملابس، ومعروفون باسم «موسكيتيروس»، الذين يستحضرون أفلاماً تاريخية.
بدأ فنان ملقة، الذي اجتذبه دائماً أشكال التعبير الشعبية، بالاهتمام ببعض البرامج بعد رؤية صور لأحد معارضه في لندن (المملكة المتحدة) وصور عرس الأميرة مارغريت أميرة انجلترا، الذي تابعه 20 مليون مشاهد في جميع أنحاء العالم.
نظرة «المتلصص»
في واقع الأمر، كان المصور براساي قد أكد في كتابه «حوارات مع بيكاسو»، أن الفنان كان يشاهد التلفزيون بصورة منتظمة إلى حد ما. وكان السيرك، والحب، والثيران، والملاكمة من أهم المواضيع التي شغف بها بيكاسو الشاب، شغف استطاع أن يعيشه مجدداً خلال السنوات الأخيرة من حياته من خلال تلفزيون كان يغذي نظرة «المتلصص» التي تميز بها.
قطع مختارة
القطع المختارة لهذا المعرض تظهر الروابط بين بعض الأعمال التي أنجزها بيكاسو بين عامي 1966 و1972 من جهة، وبين البرامج التي كان يبثها التلفزيون الفرنسي في ذلك الوقت من جهة أخرى، حيث أنشأت أمينة هذا المعرض، لورانس مادلين، كبير أمناء متحف الفن والتاريخ في جنيف في سويسرا، وصلات بين أعمال بيكاسو المرسومة والصور المتلفزة، وهكذا ربطت تأثير التلفزيون على أعمال بيكاسو بدءاً من عام 1968.
مؤكدة أن الحدث والتأطير، والسرد والحركة في التلفزيون كانت قد تفاقمت في تلك الأيام، تماماً مثل أعمال بيكاسو في السنوات الأخيرة. كما قالت إن الفنان في تلك السنوات استعاد في أعماله المطبوعة اللونين الأسود والأبيض اللذين سيطرا على الشاشة الصغيرة حتى عام 1968، فضلاً عن أنها لاحظت مشاهد الفروسية ومهرجي السيرك وحركاتهم المليئة بالحركة في أعمال الفنان.
تشغيل هذا الجهاز لم يكن أمراً اعتيادياً في منزل بيكاسو، حيث يتذكر حفيده برنارد رويس بيكاسو أن جده كان يطلب من الجميع الصمت عندما كان يبدأ برنامج للمصارعة الحرة على سبيل المثال، بينما يؤكد العديد من النقاد والمتابعين لمسيرة الفنان أن بيكاسو كان مهتماً ببرامج تلفزيونية أخرى عدة أحدها مخصص للسيرك.
كان بيكاسو قد تحدث في مقابلة تلفزيونية عام 1966 عن برامجه التلفزيونية المفضلة عندما سئل عن الإمكانيات الفنية لهذه البرامج، بينما أكد مؤرخ الفن جون ريتشاردسون أن الفنان وزوجته جاكلين كانا يشاهدان الأفلام القديمة على شاشة التلفزيون ومن بينها أفلام الغرب وأفلام العصور القديمة الكلاسيكية والدراما والكوميديا.
