حكايات ماضي المكان بـ«سنعه» وعتق جمالياته المطرزة سيراً طالما حفظها «حوار الفريج»، استحضرتها، الجلسة الأخيرة في مجلس «رمضان الشارقة»، أول من أمس، في إكسبو، ساردة روايات حميمية ممهورة بحب وألفة نسجا خيوط وئام المشهد الثقافي والفكري والتراثي، فشكلا ملمح هوية محلية تكنز مفردات فريدة لا تحصى.
شارك في الجلسة، والتي أدارها عبدالعزيز المسلم مدير إدارة التراث بدائرة الثقافة بالشارقة، أستاذا التاريخ في جامعة الإمارات د. فاطمة الصايغ ود.حمد بن صراي، والباحث التراثي عمار السنجري. وناقشت موضوعات البحث فيها، جملة محاور، أبرزها: بين مجالس رمضان وزمان ومجالس اليوم، الحكايات الخرافية وأحاديث الماضي في مجالس البيوت القديمة، البيوت القديمة، أيقونة المكان وذكريات الزمان، من الدكان التراثي إلى «المول الجديد».
سرديات حنين
مهد عبدالعزيز المسلم، لموضوع النقاش الأول في الجلسة، مشيرا الى أنه تقبع في ذاكرة المكان سرديات حنين وبهاء، لا حصر لها. ولكن هذا بالنسبة للإمارات، شديد الخصوصية ويمتلك رونقاً لا مثيل له، بفضل مخزون الحكايات والقصص المشكلة قوام هويتنا وخصوصيتنا، والمرتبطة بمكنون عاداتنا وتراثنا.
وفي السياق، تحدث د. حمد بن صراي، عن مدى كون «الفريج» في الإمارات، بمجالسه وأيقوناته و«سنعه»، مدرسة ومصدر اللحمة المجتمعية والفكر والثقافة المحليين. إضافة إلى أنه يعد مكاناً حيوياً في نظامه وآدابه وتقاليده المجتمعية والعمرانية «بسكيكه وعماراته و...». وذكّر هنا، بالكثير من المسائل التراثية التي سادت في مجالس الفريج قديماً.
كما استعرض أهمية الروي والروايات التاريخية الشفاهية، موضحا أن الرواة يحتاجون منا اهتماماً أكبر.
وتطرق إلى ما دوّنه الرحالة عن تاريخ الإمارات، مبيناً أن ما قدموه يستلزم وقفة دراسية معمقة، جراء تركيزهم على قضايا ونوادر تهمهم شخصيا. وشدد بن صراي، أيضا، على ضرورة الاعتناء ببث روح وإمكانات الحضور العصري المؤثر للفريج، ليقاوم ويؤثر بوجهة فاعلة.
بديل للمول
وعرجت د. فاطمة الصايغ، في بداية مشاركتها، على أهمية اعتمادنا على المنهج التاريخي العلمي في تحقيق وكتابة وقراءة تاريخنا، موضحة أن الروايات الشفاهية وحدها لا تكفي. ثم انتقلت إلى الحديث عن توجه الإمارات ورغبتها القوية، في حفظ الفريج بملامحه ومضمونه، رغم ما تفرزه الحضارة والثورات العصرية من تحديات.
ولكنها لفتت في الصدد، الى ان المشكلة حاليا تكمن في انسياق الأجيال الجديدة وراء المغريات فابتعادها عن تراثها وأصالة مجتمعها.
إلى ان غدونا نجد «الخرس الاجتماعي»، لا الحوار والنقاش والأحاديث الودية الشيقة، تسود في مجالسنا وجلساتنا. ونبهت فاطمة إلى أن لذلك، كما لغياب ثقافة «الفرجان»، نتائج مهددة للترابط العائلي والمجتمعي، ولا بد لنا من خلق تلك الثقافة وإعادة إحيائها، بشتى الصور.
وهنا فإن الأفراد، برأيها، هم معنيون، اكثر من الدولة، فعليهم أن يبدؤوا من أسرهم لبث وتجديد آداب المجالس، غاية أن نزيح قلق الهوية وتشتتها. وختمت بأننا ملزمون بتقوية حضور وجوانب إيجابية المجالس التراثية، راهناً، لتكون بديلاً لـ«المول».
قلب الشارقة
صفات المؤرخ ومعايير عمله، موضوعة رئيسة شكلت مفتاح النقاش لدى عمار السنجري ضمن الجلسة. إذ بين معها، أن المؤرخين الأجانب والرحالة، سجلوا تاريخنا، لكن شابت تدويناتهم مآخذ عديدة منبعها غاياتهم وتوجهاتهم وارتباطاتهم.
وبذا علينا العودة الى التوسع في التركيز على الروايات الشفوية، ثم تحقيقها بدقة، وقياسها ومطابقتها مع ما دوّن لدينا وما كتبه المؤرخون الذين زارونا. ثم توسع السنجري في الحديث عن مشروع «قلب الشارقة» التراثي، ودوره في تعزيز توجهات حفظ التراث والهوية، لافتا الى أنه يطابق تماماً ما جاء في وصف أحد المؤرخين الذين زاروا المكان قديما، وكتبوا عنه. واستعرض كذلك، تجربته مع تدوين الروايات التاريخية الشفوية، منذ 25 عاماً، في الدولة.
وحكى عن سمات فريدة لا تزال تخزنها مجالس البدو التي تستمر في الانعقاد والتأثير إلى وقتنا الحالي، إذ يحضرها هو بانتظام.
الحوار شعاراً
قال الشيخ سلطان بن أحمد القاسمي، رئيس مركز الشارقة الإعلامي، في مناسبة ختام فعاليات «مجلس الشارقة الرمضاني»، إن هذا البرنامج الفكري الذي اتخذ من الحوار شعاراً ورؤية، في المواضيع التي طرحها خلال هذا العام، حقق ويحقق نجاحاً نوعياً تبرهنه الشعبية التي يحوزها والمشاركة المجتمعية الواسعة فيه.
وختم بقوله: «سنحرص على وضع خطة عمل للعام المقبل، تبني على ما أنجزناه في هذه التجربة، وتتجاوب مع الاحتياجات الفكرية والثقافية والمجتمعية».
