«فلان بدوروا به» عبارة طالما مثّلت عنوان حفلة مجتمعية تقليدية تعكس الثقة بأحدهم، وترتبط بمكون الإرث الديني والعقائدي والاخلاقي: «التحميدة»، التي كانت، أول من أمس، موضوع ملتقى متخصص، ضمن فعاليات «رمضان الشارقة»، في اكسبو. إذ تضمن موضوعات بحث متنوعة، أبرزها محاضرة للباحث فهد المعمري عن «شعر التحميدة ودوره في تربية الطفل»، وكذا جملة نفاشات أخرى، بيّنت مدى كون التحميدة والتومينة من المبادئ الأساس التي بقيت تؤدي وظيفة رفع درجة الإحساس بالاهلية والقمية لدى خاتم القرآن الكريم، بين أبناء مجتمعه. كما اشتمل الملتقى على أمسية شعرية، بحضور باحثين في المجال، منهم: عبيد بن صندل وسلطان بن غافان وعبدالله سعيد بن شماء.

«أومين»

اسبوعا كاملا كانت تستمر احتفالات «التحميدة». ولم يكن يُكتفى فقط بأن يطوف خلاله في الفريج، أهل الطفل الذي ختم القرآن الكريم في حلقة الدراسة لدى المطوع، وزملاؤه والمطوع نفسه، أو أن يزوروا البيوت لأخذ الهبات وجمعها في كيس متوسط الحجم «المزماة». بل إنه، وحسب ما أوضحه فهد المعمري، أبرز ما ميز تلك الطقوس الاحتفالية التراثية، إلقاء إحدى النساء وهي «المحمدية» (وتكون ذا صوت جميل)، أشعارا دينية: (أشعار التحميدة)، أثناء الجولة، ليرد عليها الأطفال والأهل، الذين يرافقون المحتفى به: «أومين».

 

أهمية ودور

وشدد المحاضر على أن للتحميدة، بما حملته من أبعاد ومعان، جدوى كبيرة في تنشئة الاجيال على التمسك بمبادئ الدين والحرص على حفظ القرآن الكريم والعمل به. إلى جانب ما تفرزه من جماليات طقسية اجتماعية، ودورها في تعزيز التربية القويمة لدى الطفل، منبها في الصدد، إلى ضرورة عمل الجهات المعنية، على إحياء التراث بوجهة خلاقة وفاعلة.

خلفية تاريخية

خصص المعمري مساحة مهمة في محاضرته، للاضاءة على الخلفية الحضارية لـ«التحميدة»، مشيرا الى أنه ومع بداية القرن الـ19، ساد في الامارات التعليم التقليدي، الذي يستند الى حفظ القرآن الكريم فقط. فما إن يبلغ الولد او البنت، سن الـ15، حتى يبعث به إلى المطوع أو المطوعة، ومن هنا تبدأ حكاية شعر التحميدة أو التومينة. وقدم موجزا عن الحركة العلمية والفكرية في منزل المطوع.

كذلك استعرض المحاضر، مجموعة من المسائل التي ترتبط بالحركة التعليمية والعلمية في زمن المطوع والمطوعة، وما يحدث في البيوت من عادات وطقوس حول حفظ القرآن الكريم. ثم أفرد محورا عن طقس كان له رونق وبهاء، وهو الاحتفاء بالطفل الذي يختم القرآن الكريم، عبر حفل التحميدة. وبين أنه كان يرتدي الاطفال خلاله، ثيابا جديدة، ويولم والد خاتم القرآن للجميع، في حال كان ميسورا. وشرح المعمري، قضايا وجوانب عديدة، تخص هذا الطقس الديني والاجتماعي، بينها: جاء اسم التحميدة من القصائد التي تقرؤها النساء، تسمية التومينة مصدرها لفظة «أومين» التي تردد بعد كل بيت في التحميدة، حفلة ختم القرآن لم تكن تتكرر كثيرا فلا تزيد عن أربع ختمات طيلة السنة الدراسية، غالبا ما كانت تنظم في فصل الشتاء.

تجربة وذكريات

لم تقتصر برامج الملتقى على الجانب النظري، بل اشتملت على عرض لتجربة أحد من عاشوا واختبروا جيدا، طقوس التعليم على يد المطوع أو المطوعة، وكذا من شاركوا في «تحميدات» و«تومينات» كثيرة. إذ تطرق سلطان بن غافان إلى جماليات تلك المرحلة، مستذكرا مواقف متباينة، واجهته ورفاقه أثناء الدراسة والاحتفاء بأحد الذين ختموا القرآن لكريم. ثم قرأ، مجموعة أشعار تحميدة.

«الحمد لله»

شهد الملتقى، إلقاء عبيد بن صندل، برفقة مجموعة فتية وأطفال، أشعار تحميدة. ومن بينها:

«الحمد لله الذي هدانا

أومين

للدين والإسلام اجتبانا

أومين

سبحانه من خالق سبحانا

أومين

بفضله علمنا القرآنا

أومين».