كادت الدعوة إلى إنصاف الاستشراق وواجب الاقتداء بنهج رواده، أصحاب الأيادي البيضاء، أن توجه دفة النقاش إلى هذه النقطة تحديداً فتجعلها موضوع البحث، بدل العنوان والمحور الرئيس لندوة »التراث الإسلامي الذي لم يُكتشف«، في إكسبو الشارقة، أول من أمس، والتي نظمت في إطار »مهرجان رمضان الشارقة«. وشارك فيها: د. محمد صابر عرب، وزير الثقافة المصري السابق، ود. علي إبراهيم النملة باحث سعودي ووزير سابق، والمستشرق البريطاني تشارلز بورنيت. وأدارها الباحث والوزير السوري السابق د. رياض نعسان آغا.
أدوار ومراحل
غلبت على الندوة صبغة النقاش المفتوح. إذ ابتعدت عن أجواء الإلقاء لتنتصر لتبادل الآراء والتداول في المطروح من الموضوعات حول الانتظار الطويل والمتجدد لكشف المخطوطات الغائبة في تراثنا. وكانت محطة البداية مع المستشرق البريطاني بورنيت، إذ عرّف بدور الحضارة العربية والإسلامية في النهضة الأوروبية، شارحاً كيفيات استفادة الغرب من ثمرات الفكر الإسلامي والعربي، عبر إسبانيا. واستعرض بالتحديد، دور مرحلة الخليفة عبدالرحمن الثالث في الأندلس، في التأسيس لحالة ارتقاء فكري وثقافي مهمة في إسبانيا وأوروبا عامة.
كما بيّن المستشرق البريطاني ان هناك الكثير الذي لايزال خافياً يقبع في بطون المخطوطات، حول التراث الإسلامي وعظمته، موضحاً أنه على الباحثين والمفكرين التركيز على هذا المجال ونفض الغبار عن المخطوطات المجهولة وعرض محتوياتها. ودلل في الخصوص، على غنى ومكانة مكتبة قرطبة.
دعوة
يمثل المكتشف من التراث العربي والإسلامي، جزءاً قليلاً مما لم يكتشف بعد، وفق رأي د. علي إبراهيم النملة، والذي دعا في الصدد، إلى ضرورة أن نعتني بالخروج من حال الاحتجاج والبكاء على محنة هجرة تراثنا، إلى حال أخرى أصوب، نتيقن معها من أن ما نعده محنة ليس إلا نعمة. فالمستشرقون الذين أخذوا تراثنا حفظوه وصانوه لنا. وهم عرفوا قدره أكثر منا، في زمن كنا نجهل قيمته.
ولم يتردد الباحث السعودي في طرق محاور أخرى في الندوة، ليست جوهر موضوع البحث، فبعد إشارته إلى حاجتنا لأجندة عمل دقيقة تلاحق تراثنا الضائع، المنتشر في مكتبات العالم، وتقتفي أثره لتخرج در مكنونه، أكد أن مخطوطاتنا وعناصر تراثنا لاتزال تهاجر في وقتنا المعاصر، ولايزال الغرب يحفظها لنا ثم يردها إلينا بعد أن تهدأ الحروب والفتن لدينا، ذلك في ظل استثناءات قليلة. وختم: »الحضارة عروس جميلة من يعتني بها أكثر يكسب قلبها. وهي ليست حكراً على أحد. فالشعوب جميعها تناقلتها، كما أن المستشرقين جسور حضارية بين الشرق والغرب«.
ضرورة
ولفت د. محمد صابر عرب، في استهلال حديثه، إلى أهمية انكبابنا على استخراج الدرر الخافية في مخزون تراثنا العربي والإسلامي، ومن بينها تلك التي تنام في خزائن مكتبات الغرب، بعيدة عن الأنظار والمعرفة بها. فذاك، برأيه، سبيل تعزيز ارتباطنا بهويتنا واكتشافنا ذاتنا. وشدد على وجوب أن نعنى بتوسيع أشكال التعاون مع الجامعات العالمية، للوصول إلى المخطوطات العربية والإسلامية، كافة، ومن ثم تحقيقها ونشرها.
وعرّج عرب في حديثه، على مراكز ومنارات الحضارة في العالم، بعد القرن العاشر، قاصداً بذلك إيضاح الأثر الكبير الذي أوجدته الحضارة العربية، سواء عبر الأندلس، أو عبر دول المشرق العربي، لدى الغرب من بوابة إيطاليا التي احتضنت موانئها وحواضرها العلوم العربية. فترجمت إلى اللاتينية وأفادت الغرب.
إدوارد سعيد
لام الدكتور علي إبراهيم النملة، كتابات المفكر العربي الراحل إدوارد سعيد قائلاً: »كتاب إدوارد سعيد عن الاستشراق، مؤلم ومحزن. إذ إنه درس الاستشراق الأميركي الإمبريالي، كنموذج معبر عن حقيقة الاستشراق بمجمله. وهذا غير صحيح. فالمستشرقون ليسوا جميعاً ذوو توجهات استعمارية، وإنصافنا لهم أظنه واجباً، خلقياً ودينياً، وتحديداً الألمان بينهم، إذ إن المدرسة الألمانية في الاستشراق ابتعدت عن السياسة«.
