حواجز وعقبات كثيرة، لا تنفك تتناسل لتحجب أفق التقارب الثقافي، ضمن مجتمعاتنا وعلى صعيد منطقتنا والعالم أجمع، كانت على مائدة بحث ونقاش جلسة «حوار الثقافات»، في إكسبو الشارقة، أول من أمس، ضمن إطار فعاليات المجلس الرمضاني، أدارها الاعلامي السعودي تركي الدخيل ( مقدم برامج في قناة العربية )، وشارك فيها معالي لانا مامكغ- وزيرة الثقافة الاردنية، والروائية التركية اليف شفق، ود. الصادق الفقيه -الأمين العام لمنتدى الفكر العربي، وزياد بارود، محام ووزير الداخلية والبلديات اللبناني الأسبق.وخلصت محاور بحث الجلسة، إلى جملة نتائج، في مقدمها : ضرورة الاستثمار في الثقافة في الطريق نحو الحوار الحقيقي، والحرص على قرن الدعوات الى الحوار الثقافي والنقاش حوله بمبادرات فعل وترجمة عملية.. مصونة بضمانات من الدولة.

« أمل وحيد»

محاور عديدة، تطرقت إليها نقاشات الجلسة بحضور سمو الشيخ سلطان بن أحمد القاسمي رئيس مركز الشارقة الإعلامي، ود.حصة لوتاه أستاذ الاعلام في جامعة الامارات، والفنان أحمد الجسمي، إضافة إلى مجموعة من المثقفين والاعلاميين.

وتحدثت لانا مامكغ، بداية عن تجربة المملكة الأردنية الهاشمية في احتضان ورعاية التنوع الثقافي الاجتماعي. ثم وصّفت ما ينهش المنطقة من تمزيق وفرقة وفتنة، مؤكدة أننا معنيون في التعويل على الثقافة كونها الأمل في إصلاح ما أفسدته السياسة وتصويب ما أنتجه الفكر المتشدد. ولم تَقصُر وزيرة الثقافة الأردنية حديثها على تحليل وتبيان أشكال العلاج النافع هنا، بل ركزت على تشريح مواضع الخلل، فدانت نظماٍ تربوية مجتمعية ترسخ ثقافة التقوقع وكره الآخر المختلف إثنيا او مذهبيا، داعية الى ضرورة تعميمنا التربية الصائبة القائمة على المحبة والمجافية للخصومة.

واقع وضرورات

« التنوع الاجتماعي مقدمة ودافع للحوار والانسجام. لكننا أسأنا إدارته عربيا، فتحولنا إلى إدارة الخلاف بين فئات مجتمعاتنا عوضا عن إدارة الاختلاف»، تلك العبارة كانت استهلال كلام زياد بارود حول التجربة اللبنانية، ضمن الجلسة. وتابع: « المشكلة التي تعترضنا، وأحكي هنا بناء على النموذج اللبناني، أننا رسونا على شاطئ الاحتكام الى شروط الفئة القوية المسيطرة اجتماعيا، لتفرض ما تريده وتحدد أجندة الحوار الاجتماعي على هواها، فتطلق التوصيفات وتصنف كما تريد». وعلق بارود على مداخلة للدخيل :« علينا قرن الدعوة الى الحوار الثقافي والنقاش حوله بمبادرات فعل وترجمة عملية مصونة بضمانات من الدولة».

الحرية والتعاطف

الاستثمار في الثقافة وتوسيع هامش حضور المرأة وتأثيرها في مجتمعاتنا، هما بالنسبة لأليف شفق، مفصل أي حوار نبتغيه جوهريا خصبا. إذ شددت في مشاركتها بالجلسة، على أن الادب والفكر والثقافة الرهان الأجدى الذي يمكن ان نربح به المعركة في وجه الانغلاق والتقوقع. ولم يفت أليف، تحليل واقع علاقة تركيا بمحيطها العربي والاسلامي:« لا علاقات انفتاح ثقافي حقيقي، بين تركيا والدول العربية، نتيجة سياسات حكومية خاطئة في أنقرة، أنتجت التقوقع فمنعت المثقفين من خلق أرضيات التقارب الثقافي مع العرب وكذا الايرانيين. وهكذا غرقنا في بئر الذاتية ووقعنا فريسة لنزعة الفردانية، وغدونا وحيدين في محيطنا الاسلامي والعربي».

وأضافت: «الحرية والتعاطف قاعدة انطلاق للحوار. إننا نتناسى هويتنا الانسانية الجامعة فنسد بهذا أبواب التقارب. لا غنى لنا عن التعددية.. أن نعترف بالاخر ونرفض مركزية الفكر. أعتقد ان هذا كفيل بأهليتنا لتصويب صورتنا كمسلمين أمام الاخر، التي رسمها متطرفون يشوهون معاني وقيم ثقافتنا الحق».

33 عاماً

ومن حهته، شرح د.الصادق الفقيه، تجربة منتدى الفكر العربي في الحوار، على الصعيد العربي والعالمي، مبينا أنه قطع أثناء مسيرته، طوال 33 عاما، أشواطا مهمة في تقريب وجهات النظر وهدم الجدران التي تعوق تلاقح ثقافات دول العالم مع نظيرتها العربية.

مداخلتان نسائيتان

أجواء تفاعلية سادت الجلسة جعلتها تنتظم في إطار نقاشات مفتوحة، أفرزت تواصلا مثمرا بين المنتدين وجمهور الحضور. إذ شددت د.حصة لوتاه في مداخلتها، على حاجتنا لفرض سيطرة الفكر والثقافة في مجتمعاتنا، عبر جعلهما قويين محصنين بحاضنة مجتمعية ورسمية حكومية، تحمي فسيفساء التنوع الاجتماعي.

كما رأت الاعلامية بروين حبيب، ان المثقف العربي يتحمل مسؤولية في ما نعانيه من غياب لثقافة الحوار وقبول الآخر. إذ إنه يختفي ساعة يجب أن يحضر. ونجده، عند أول اختبار( في ثورات الربيع العربي)، اختار السكوت والقبوع في حواري الصمت، فالاختباء، كما قالت، متناسيا حقيقة واجباته ومهامه.