قراءات وتفاصيل متنوعة، معمقة، تمدنا بتعريفات مغايرة، كامنة في مضامين إبداعات العصر الفيكتوري (1837 1901)، نتبينها جلية عبر محتويات معرض متخصص في متحف ميتروبوليتان للفنون في نيويورك، إذ يشرع أبوابه للزوار والباحثين، كي يطلوا على مشاهد توضيحية متمايزة لأعمال رواد ينتمون إلى الفترة الزمنية الممثلة لذاك العصر (أدباء وكتاب وتشكيليون...)، والتي طالت تأثيراتها النهضوية والفكرية، مختلف دول العالم، على رأسها الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا.
فذاك العصر مثّل مرحلة انطلاقة التحول الصناعي، وكذا تنوعات انعكاس هذا التحول على مضامين الفنون والإبداع.
فترة حساسة
ما الجديد، أو غير المكتشف، الذي يقدمه المعرض؟ هذا ربما سؤال مشروع واعتيادي تلقائي. لكن الزائر والمتأمل في الأعمال المعروضة، من حيث منوال عرضها وسياق تنظيمها وترتيبها بموازاة الشروحات والتوضيحات المرفقة، يستكشف جملة من المعلومات المهمة، تزوده بكثير من الرؤى والتصويبات حول مبدعين ورجالات نهضويين حملوا لواء التجديد والتطور الفكري خلال القرن التاسع عشر، في وقت حساس طغت فيه الرؤى الصناعية على روح الفن والحرفة.
ارتحال واستنتاجات
أعمال كثيرة، من لوحات فنية وبوسترات وقصاصات وكتابات ومصنفات موسيقية وفكرية، تقابلنا في أروقة المعرض، حسب «النيويوركر». واللافت أننا نجدها تتوضع وفق صيغ تحثنا على إعادة التفكير والقراءة المختلفة في عمق مضمونها، فتدفعنا للارتحال في عوالم إبداعات هذه الفترة الزمنية.
وفي هذا الصدد، تسافر بنا المعروضات الى خصوصية النتاج الابداعي لروسـيني ( 1792 - 1868)، من خلال نماذج منتقاة لاعماله، تشرح لنا الزخم الفلسفي والتركيز الأخلاقي، الكبيرين، فيها.
وتوضح المعلومات والاعمال في المعرض كيف انه التزم، دوما، بتوظيف الفنون لخدمة الإنسان وحريته، وجعله أداة لتحقيق الخير والعدل والحق في سبيل رفاه البشرية وارتقائها.
ولا تختلف تلك المعايير، الاساس، بالنسبة لنخبة من رواد العصر الفيكتوري، الآخرين، ذلك حسب ما تأخذنا إلى استنتاجه محتويات المعرض. إذ إنها تحيلنا، بما تنضح به من جماليات وتفسيرات، إلى استكناه الروابط القوية بين ابداعات هؤلاء، ومن شتى الدول، في ما يخص التشكيل والادب وغيرهما.
«بريرافايليتي الإخوان»
وقفة مهمة ومساحة كبيرة، يخصصها المعرض للقراءات في عمق فكر ونتاجات مجموعة «بريرافايليتي الإخوان»: 1848-153م، التي ضمت عددا من الرسامين البريطانيين الشباب، في رد فعل على طغيان النزعة الصناعية على المجتمع والابداع. وتحكي معلومات المعرض كيف جهد هؤلاء ليعكسوا مدى الخطورة الأخلاقية للمعايير والاسس السائدة آنذاك.
كما يشرح المعرض لزواره، تاثيرات المبدعين من هذه المجموعة، وتاريخهم ومرجعيتهم، وانبهارهم باللوحة الايطالية في القرنين الـ14 والـ15.
بذور
وفي هذا السياق، نتعرف على حقيقة أفكار ويليام موريس ( 1834 - 1896م)، المعماري والفنان والكاتب الإنجليزي. ونتبين المعايير التي حكمت توجهات اعماله، المعززة بقيم ومحمولات اجتماعية وفلسفية.. وكذا تمسكه بالحرفية وبأهيمة المواد الخام الاصل. ونستطيع، في النهاية، معرفة أسباب بلوغ موريس مكانة رفيعة في عوالم الفن لاحقا، بات معها في مقدمة المجددين بحركة الفن والحرف في تلك الفترة.
كما نلحظ تباينات ومعالم التغير في الذوق الجمالي انذاك، من خلال معروضات المعرض الخاصة بالرسام البريطاني إدوارد بيرن جونز (1833 1898 م)، الصديق مدى الحياة لموريس، ففي ضوئها نعرف كيف برزت بذور الفن الراقي ذات الجودة الرفيعة، على صعيد اللوحة والرسم والتصميم والنحت وغيرها.
كذلك نتتبع عبر الاعمال لهذين الفنانين الصديقين، كيفية ارتقاء ذائقتهما الفنية، في رصد ملامح البيئة والطبيعة من حولهما، من خلال مشاهد الوجوه وتعبيراتها.
نموذج أساس
يشرح لنا المعرض حقيقة ارتباطات وتمازج تجارب الإبداع، لدى روسيني وموريس وجونز، مبينا كيفية نهوض هؤلاء بمناهج الفن وأساليبه وتقنياته الجديدة في ذلك العصر. كذلك يعرفنا على إسهامهم النوعي في ما يمس التجويد والقيمة، بالنسبة للإبداعات والفنون التي برزت في الفترة اللاحقة.

