كطائر بلا وطن، يحلق الفن ليعبر المسافات ويتجاوز الحدود ويحطم العوائق، فالهوية التي يحملها إنسانية من الدرجة الأولى، واللغة التي يتحدث بها عالمية يتذوقها الكون بأكمله، راقية تبني الحضارات وترتقي بالمجتمعات وتنطق بالجمال، فتصبح السماء في حضرته بساتين، والأرض بأدواته قوس قزح.

وفي معرض «تراتيل بابلية» الذي جمع 8 فنانين عراقيين في مؤسسة العويس الثقافية، حضر الوطن والهوية، واحتضنا الكون بيديهما، فاتسع نطاق بابل ليعانق العالم، ما جعل الفن عابراً للقارات وكأن في جيبه جواز سفر دبلوماسياً لا يجرؤ أحد على الوقوف في وجهه.

«البيان» التقت فناني بابل الذين أكدوا أن الفن طائر بلا وطن، وأن كل الرموز المحلية ما هي إلا رسائل حب للعالم كله، وإلى نص التحقيق.

«أنا ضد الهوية والمسميات والأداء المباشر» بهذه العبارة بدأ النحات أحمد البحراني حديثه، مؤكداً أن ليس للفن وطن، وقال: الفن لغة عالمية مشتركة، يتحدث بها العالم أجمع، والفنان جزء من هذا الكون، وليس شرطاً أن أقدم أنا - مثلاً - تمثال بابل لأكون بابلياً، فالرموز لا تحدد الانتماء لهذا البلد أو ذاك، بل الشعور هو ما يأخذك نحو ما تريد التعبير عنه.

أكد الفنان التشكيلي د. فاخر محمد أن الفن للإنسانية، وقال: من الصعب أن يضيق الفنان نطاق أفقه، وينغلق على نفسه وعالمه الخاص، وليس صحيحاً أن نربط مضمون اللوحة بهوية صاحبها، إذ لا يمكنني أن أقول بأن هذا الفنان عراقي لأنه يميل لرسم النخيل مثلاً، إذ إن الشكل الفني والجمالي مفتوح على الإنسانية، ويتذوقه الجميع، فلا وطن للفن برأيي، ولكن يحدث أن تظهر بعض الرموز ذات الصلة ببيئة الفنان في بعض اللوحات، وهذا نتاج طبيعي لحالة الإبداع التي تتملكه.

خارج الحدود

«أرى الفن خارج الجغرافيا وحدود الزمان والمكان» هذا ما أكده الفنان التشكيلي عاصم الأمير، الذي يرى الفن طيراً بلا وطن، وقال: الفن لغة إنسانية، وعتبة للقفز والوصول إلى الآخر، وبهذا يصافح الفنان العالم، ومن خلال معرض «تراتيل بابلية» قفزنا من بابل بتاريخها الرمزي والمادي وعمارتها، وتجاوزنا حدود محليتنا، فرأى الجميع لوحات إبداعية تتجسد فيها الهوية ولكنها لا تقف مكانها، بل تبدع وتبحر نحو عوالم وآفاق أوسع.

اتفق الفنان التشكيلي محمد فهمي مع زملائه على أن لا وطن للفن، تماماً كالفنان، وقال: العالم بفضاءاته الواسعة هو وطن الفنان، ومن الظلم أن نحصر إبداعاته ضمن نطاقات ضيقة، فالإبداع إنساني، والوطن هو المكان، لكن النتاج والمنجز يبقيان بلا وطن، فهما هدية المبدع للإنسانية جمعاء.

من خلال منطقته في الاشتغال وهي الفن التجريدي، أكد الفنان التشكيلي علي شاكر أن الفن لغة عالمية إنسانية يفهمها الجميع، وقال: من خلال لغة الوجدان ولغة اللون والخط والتعبير الداخلي، أحاول دائماً إيجاد أداة للتواصل لا تقتصر على هويتي وحدها، وبهذا أتجاوز الحدود في فني لأصل لكل أرض ووطن.

صدى مميز

«الفن إحدى أدوات الجمال، والجمال أحد أركان الحياة، ولا نستطيع العيش بدونه» هذا ما ذكره الفنان التشكيلي محمود شبر، الذي ينظر للفن على أنه لغة توحد جميع الناس، وقال: الفن هو القائد والركيزة الأساسية في بناء المجتمعات، وإذا كان هناك فن حقيقي لا بد أن تكون هناك مجتمعات راقية وثقافة، وبدون هذا الفن تندثر الحضارات.

وأكد شبر أن الفن العراقي أحدث صدى مميزاً في الساحة العربية، وتجاوز حدود محليته، ما جعله أداة تواصل حضارية.

واتفق الفنان التشكيلي محمود عبود مع الفنانين بأن لا حدود تقف أمام الفن، وقال: أنا مع الإغراق في المحلية للوصول للعالمية، فتقديم الهوية المحلية بأسلوب عالمي يجعلها تصافح العالم وتعبر عن هوية الوطن بأفضل صورة، وبالنسبة لي فحين اقدم بيئتي أشعر باختراقي لجميع الحواجز، لأن فضول الآخر يجبره على الإبحار مع لوحاتي.

لغة وطن

 على عكس زملائه، يرى الفنان التشكيلي مؤيد محسن أن الفن لغة وطن يحب الإنسانية، وقال: الفن العراقي متميز وعلى درجة عالية من الإبداع، وبعد اتهامات النقاد للخطاب العراقي بأنه غير ملتزم وهامشي ومبتور، أقول لهم بمحبة إنه فن يتربع على عرش كبير من الإرث الأصيل والوعي والحضارة.