يراد من العقلانية جملة من التفكير المؤدي إلى تشكيل رؤية بعيدة للحياة والإنسان وحركة الكون، وفق نسق يحدد المفاهيم اللازمة لتلك الرؤية، هذا ما أوضحه الدكتور محمد قجة الباحث في الحضارات والتراث العربي والإسلامي، وذلك خلال محاضرته «العقلانية في الفلسفة الإسلامية»، التي ألقاها مساء أول من أمس في مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام في أبوظبي. وأدارها عبدالرحيم أيت علا رئيس وحدة الترجمة بالمركز بحضور منصور سعيد المنصوري مدير إدارة الثقافة بالمركز وعدد من المهتمين.

استعرض محمد قجة الدلالة اللغوية والاصطلاحية للعقلانية، وقال إن ملامح العقلانية في الفكر الإسلامي تتمثل في الدعوة إلى العلم والتعلم والدعوة الى الحوار العقلاني والتسامح مع الآخر والاعتراف به واحترامه. وتحدث المحاضر عن العقلانية الإسلامية والقيم الإنسانية.

وأشار إلى أن العقلانية الإسلامية بقيت على صلة بقضايا الإنسان الذي يشكل محور اهتمام القوانين والشرائع، وقال من أبرز سمات هذه العقلانية جدلية العلاقة بين وعي الوجود الفلسفي، ووعي الذات المجتمعي في ميدان التمية البشرية القائمة على أسس عقلانية ممنهجة. وأوضح أن هذه العقلانية الفلسفية تستند إلى التحليل المعرفي وتبتعد عن العاطفة المزاجية، وتنبثق عنها قيم ثقافية تستند إلى الثوابت في تطوير الرؤى المجتمعية التي تحقق الهيكل الحضاري للأمة.

وقال: إن الفلسفة الإسلامية كانت سباقة في أعمال العقل وربطه بالغاية الإنسانية وقراءة ذلك بشكل موضوعي يرمي إلى خير الإنسان ومصلحته المشروعة والوصول لرأي مستند الى التحليل.

تيارات الفلسفة

كما تحدث د. محمد قجة عن نماذج من العقلانية في الفلسفة الإسلامية وأثرها في الفكر العالمي. وقال إن هذه النماذج تنوعت بين تيارات ثلاثة هي نبذ الفلسفة والاعتماد على العقل، والعقل بديلاً للنقل، وثالثها وهو الأكثر والأرجح يتحدث عن الربط بين الدين والفلسفة، بينما تناول المحاضر فكر الفارابي وابن رشد مشيرا إلى أنهما نموذجان جمعا إلى الفلسفة الفقه والقضاء والطب وكانا معلمين رائدين.

وانتقل للحديث عن العقلانية الإسلامية والعصر الحديث، وقال: تمثلت هذه العقلانية في حركة الإصلاح التي قادها جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، والكواكبي، والتونسي والجزائري، وغيرهم، وأشار إلى أنهم جميعا اتفقوا على أهمية الإصلاح وفق منهجية.

وأوضح أن المرحلة الثانية ضمت العديد من المفكرين العقلانيين المعاصرين مثل حسن حنفي، ومحمد عمارة، والجابري وقال: على الرغم من تباينهم في الطرح، إلا أنهم أكدوا جميعا على أن الإسلام دين الفطرة والاعتدال وقبول الآخر ونبذ العنف والتطرف. وأضاف أن الفلسفة الإسلامية حافظت على شخصية الأمة في الوقت الذي تعاملت فيه مع التجارب الأخرى واستفادت منها وانفتحت عليها. وفي الختام دعا المحاضر إلى قراءة واقعنا المعاصر ومحاصرة التطرف بكل أشكاله وفي أي مكان.

 

قراءة عقلانية

أكد الدكتور محمد قجة على الحاجة إلى قراءة عقلانية للتراث والمواءمة بين التاريخ والحاضر والمستقبل، موضحا أن الحضارة الإسلامية مثلت الوعاء الفكري الذي يختزن كل المعوقات الثقافية لشعوب العالم الإسلامي وأنها استوعبت ما قبلها من حضارات وأضافت إليها بعدها الإنساني المتسامح.