يشكل تاريخ الحركة التعليمية في أي مجتمع بشري جزءاً لا يتجزأ من تاريخه الحضاري، فهو يلقي الضوء على درجة الوعي الاجتماعي بأهمية التعليم، ومدى تسخير الإمكانيات المتاحة لدعم ورعاية المؤسسات التعليمية، ودور مخرجات التعليم في النهوض بالمجتمع. ولو رحنا نطبق هذه الحقيقة على مجتمع الإمارات، خلال الحقبة التي سبقت دخول التعليم الحديث خلال عقد الخمسينات لوجدنا أن أمامنا نوعين من المؤسسات التعليمية:
1- مدارس الكتاتيب وهي مدارس أهلية بدائية بسيطة اضطلعت بتعليم الناشئة القرآن الكريم وتهجئة الحروف.
2- مدارس شبه نظامية، وهي أرقى مستوى من الكتاتيب تنظيماً وإدارةً وتنوعاً.
وهي بدورها مدارس أهلية قامت بجهود عدد من الوجهاء وتجار اللؤلؤ الذين أنشؤوها ورعوها وجلبوا لها المعلمين ووفروا لها مستلزمات التعليم، كما كان الحرص على نيل الأجر والثواب من الله تعالى دافعاً هاماً لهم جعلهم يسخون بالمال ويبذلون الجهد في سبيل نشر العلم والمعرفة.
ولقد حازت إمارة دبي نصيبَ الأسد من المدارس شبه النظامية اعتباراً من عام 1912 الذي شهد إنشاء المدرسة الأحمدية على يدي الوجيه الشيخ أحمد بن دلموك الفلاسي، وأكمل بناءها ورعاها بعد موته ابنه الشيخ محمد بن أحمد تاجر اللؤلؤ الشهير، ومروراً بمدرسة السالمية التي افتتحها الوجيه تاجر اللؤلؤ سالم بن مصبح بن حمودة السويدي مطلع العشرينات، ثم مدرسة السعادة التي أنشأها في عام 1925م كل من: يوسف بن عبد الله السركال، ومحمد بن عبيد البدور، وهلال بن رمضان الشميس، ثم مدرسة الفلاح التي أسسها التاجر محمد علي زينل حوالي عام 1926م.
إن من يقرأ ما كتب حول تاريخ المدارس شبه النظامية في إمارة دبي يدرك بأن هذا الموضوع لا يزال مجالاً خصباً للبحث واستجلاء العديد من جوانبه التي لم تدوّن بعد أو لم تأخذ حقها من البحث والتقصي، وفي هذا المقام لا يسعنا إلا أن نوجه جزيل الشكر والامتنان لباحثَين كريمين من أساتذتنا الأفاضل أديا خدمة جليلة لتاريخ التعليم في دبي، وهما: المستشار إبراهيم محمد بوملحه، على دراسته القيمة عن «الشيخ محمد نور رائد التعليم في الإمارات»، والذي تطرق فيه بتوسع للمؤسسات التعليمية في الإمارة خلال النصف الأول من القرن العشرين، والدكتور عارف الشيخ على دراسته الممتعة حول «تاريخ التعليم في دبي». وقد وضع هذان الباحثان الفاضلان أساساً متيناً ينطلق منه الباحثون في تاريخ التعليم شبه النظامي في إمارة دبي.
إن أعداداً لا بأس بها من خريجي تلك المدارس لا تزال تعيش بين ظهرانينا، وهم يمثلون المصادر الرئيسية للمعلومات الشفاهية التي ربما لم يلتفت إليها الباحثون السابقون، ففي ذاكرة كل راوٍ منهم معلومات فريدة قد لا تجدها عند غيره.
إنني هنا أغتنم الفرصة لكي أقترح طرح مسابقة علمية تُرصد لها جائزة مالية كبيرة لمن يؤلف أفضلَ بحث مُحَكّم ورصين وموثّق حول تاريخ التعليم شبه النظامي في إمارة دبي، مما يُثري مكتبتنا التاريخية، ويخلد أسماء الرعيل الأول من المربين الأفاضل الذين أوقدوا للأجيال اللاحقة مصابيحَ المعرفة.