لوحات فنية كثيرة نقف أمامها حائرين، نضيع في دهاليزها مرة، ونغرق في تفاصيلها مرات ومرات وتأخذنا خطوطها وتعرجاتها وألوانها إلى عوالم مجهولة يصعب تحديد ملامحها، لنجد أنها كخطوط الكف، تصعب قراءتها، ويتعسر علينا فهمها وفك ألغازها، فنحتار بين ترك العنان لمشاعرنا، أو اختراع لغة جديدة نفهم من خلالها ما نريد فهمه. «البيان» التقت في التحقيق التالي عدداً من الفنانين التشكيليين، على هامش المعرض السنوي العام لجمعية التشكيليين 32، للحديث عن قراءة اللوحات الفنية، من أين تبدأ، وكيف تنتهي، وهل يعكس عدم فهم رسالة اللوحة مشكلة في المتلقي؟.
مفاهيم
أكدت ابتسام عبدالعزيز أن المادة المكتوبة المصاحبة للركن الفني، تسهل قراءة اللوحة وفهمها وقالت، «في كل معرض، تكون هناك مادة مصاحبة تشرح العمل نفسه، وخصوصاً الأعمال المعاصرة والمفاهيمية، إذ يجب أن يفهم المشاهد الفكرة المصاحبة للعمل حتى يصل لمرحلة التقدير والإعجاب واللذة التي يصل لها برؤيته للوحة التقليدية، فمن المهم جداً أن يفهم المشاهد العمل الفني».
وأشارت الفـنانة إلـى أنـه ليس شرطـاً أن يصـل المـتلقي للمفهوم الذي عبر عنه الفنان، فـأحيانا يحتوي العمل على مفاهيم أخرى قد يفـهمها من مجرد النظر والتأمل، واختلاف المنظور للوحة لا يعد مشكلة حقيقية، ففي النهاية تختلف وجهات النظر، ولكني أؤكد على ضرورة تواجد الـفنان في ركنه الفني ليجيب على تساؤلات المتلقي.
رمزية
وذكرت ابتسام أن أعمالها الفنية فيها نوع من الرمزية، وقالت، يجب أن يفهم المشاهد الرمز من خلال النبذة المرفقة مع العمل، وبهذا يعطي اللوحة حقها.
ورفضت ابتسام أن يكون جمهور الفن التشكيلي نخبوياً، وقالت: يعتمد الفن المفاهيمي وهو الخط الفني الذي أتبعه على المفهوم والرسالة المصاحبة، وهذا يجعل رسالتي موجهة للجميع، ولا أخاطب نخبة معينة في لوحاتي، بل أستدعي بصر وبصيرة المشاهد معاً، ولذا فعلى المتلقي أن يُفَعِّل فكره ليستوعب ويفهم هذه الأعمال، وبهذا تُفك رموز العمل.
ثيمات
«أرفض ربط المتلقي بفكرة معينة" بهذه العبارة بدأ الفنان معتصم الكبيسي، حديثه، مشيراً إلى أنه من الضروري أن يسمح الفنان للمتلقي بالغوص في أغوار العمل الفني، وقال: لكل عمل فني ثيمات يبحث عنها المتلقي، ومن خلالها يقرأ اللوحة».
وأكد الكبيسي أن عملية قراءة العمل الفني تختلف من شخص لآخر، وقال: لكل إنسان أهواء وانفعالات، وإحساس خاص بواقعه وبالعمل الذي يحيط به، ولذا، لا يجب أن نحصر المتلقي بفكر الفنان، فهناك جمالية أكبر تكمن في نظرة المتلقي الخاصة للعمل الفني، تماماً كما تتغير نظرة الفنان للوحته بعد مرور عام عليها.
وذكر الكبيسي أن ثقافة كل شخص تختلف عن الآخر، ما يجعل قراءة اللوحة الفنية مختلفة، وقال: لا نستطيع وضع طريقة معينة لقراءة اللوحة، وأنصح من لا يستطيع قراءة اللوحة وفهمها بالاعتماد على أحاسيسه، والتركيز على وقع اللوحة في نفسه وتذوق مكامن الجمال فيها، وهذا بحد ذاته كافٍ لإعطاء اللوحة حقها، فالتعامل مع الجمال بحد ذاته وعي بالعمل الفني وقيمته.
وضوح وغموض
أكد الفنان ناصر نصر الله أن فـي كل عمل فني جوانب واضـحة وأخرى غامضة، وأشار إلـى أن كـل مُشاهد ينظر للوحة الفنية من منظوره الخاص، ما يجعل العمل يحمل خيارات عدة، وقراءات مختلفة ومتنوعة، وقال: لكل شخص رؤيته الخاصة، التي يفهم من خلالها اللوحة ويفسرها كما يحلو له، وليس شرطاً أن يفهم المُشاهد ما أراد الفنان التعبير عنه، إذ يكفي إحساسه باللوحة وبجمالها الخاص، ويبقى لكل فنان أسلوبه الخاص رغم اختلاف القراءات.
ارتباط خاص
يتفق الفنانون التشـكيليون على أن الفنان لا يفرض على المتلقي سرداً معيناً، ففـي أحيان كثيرة يكون المُشاهد أذكى من الفنان نفسـه، بـأن يسـرد قـصة أجمل من تلك التي سردها الفنان من خـلال النـظر إلـى اللـوحة والتـعامل معها بوعيه الخاص، وحين يحدث ذلك، يحدث ارتباط خاص بين المتلقي والعمل الفني، وهذا هو الهدف الرئيسي من اللوحة الفنية.



