"تغرودة"

 

يعد مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث مصدراً ومرجعاً معتمداً وموثوقاً لحفظ ونشر التراث الوطني في دولة الإمارات العربية المتحدة وخارجها من خلال مجموعة من الوثائق المرئية والمسموعة والمقروءة، ورسالته تتمحور في تعزيز التراث الوطني الإماراتي وتناقله بين الأجيال والتعريف به على المستوى الإقليمي والعالمي، إضافة إلى تنظيم أجندة من الفعاليات والمسابقات التراثية وإجراء الدراسات والأبحاث المتخصصة لحفظ وتوثيق التراث الوطني، وتوفير المصادر و المراجع التراثية للباحثين والمهتمين وكافة أفراد المجتمع.

كما أن المركز يعد منصة لجميع المبادرات والبطولات والأنشطة الوطنية والتراثية والتي تمثل رؤية سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد بن سعيد آل مكتوم، ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي.

من خلال التراث تؤكد المجتمعات أصالتها وامتدادها الزمني عبر التاريخ، وتكشف في الوقت نفسه عن تراكم حضاري بنته أجيال تلو الأخرى. من هنا بات الحديث عن الثقافات الشعبية، والتراث بكل أشكاله، واحدة من القضايا الساخنة التي تشغل الباحثين، والمعنيين بالتوثيق لكل ما هو شعبي ومتوارث، لذلك نشطت في الإمارات العديد من المؤسسات والمراكز الثقافية المعنية بحفظ التراث وإعادة إحيائه، وتبدت الكثير من الجهود الفردية لناشطين ومؤلفين انهمكوا في البحث والتنظير للتراث والثقافة الشعبية.

إلا أن المتابعين، تنبهوا إلى أن الكثير من الكتابات والوثائقيات، تقدم تصوراً مغلوطاً عن التراث الإماراتي وتوثق له بصورة مشوهة، وتتعامل معه بمفهوم تجاري قائم على الربح المادي، ما يعد تحريفاً للحقيقة وظلماً للتاريخ، مؤكدين أن هذا يشكل خطراً حقيقياً على التراث الشعبي خصوصاً في أذهان الأجيال المقبلة.

صورة الهوية

الباحث المتخصص في الشؤون التراثية نجيب الشامسي قال: «عناصر التراث بصورة عامة، يتم التعامل معها اليوم بوصفها عناصر جذب سياحي، وبالتالي هي مصدر رزق، ومساحة يمكن أن تؤمن دخلاً للمشتغلين بها، سواءً الحرفيين، أو التجار، أو غيرهم، وهذا بحد ذاته أمر طبيعي ويمارس في مختلف بلدان العالم، إلا أن المشكلة التي يواجهها التراث الإمارتي اليوم هي أنه لا توجد مؤسسة تنظم العمل والبحث تحت مظلته، الأمر الذي أدى إلى غياب الهدف السامي من تقديم التراث وحفظه، والاكتفاء بالربح المادي التجاري».

توثيق مغلوط

ويضيف: «الأمر ذاته يبدو أكثر خطورة في البحوث، والدراسات التي توثق للتراث الإماراتي، إذ ظهرت الكثير من البحوث، تقدمه بصورة مغلوطة، وتطرح دراسات هزيلة لا تقوم على بحوث ميدانية محكمة، وبالتالي شوهت التراث بصورة مكتوبة».

ويتفق الباحث عبد الله الطابور مع رؤية الشامسي، بقوله: «المتتبع لحركة التوثيق والدراسات البحثية التي تتناول التراث الإماراتي في السنوات الخمس الأخيرة يجد فيها الكثير من التسطيح، والخلط، ويكتشف فيها العديد من الأخطاء (الكارثية) التي تكشف عن استسهال الحديث والبحث في التراث». ويشير إلى أن «هذه الفوضى لا يمكن حلها إلا بوجود مؤسسة كاملة، تضم عدداً من المتخصصين في التراث الإماراتي، وتقوم بعمل رقابة على المنتج الثقافي الذي يتناول التراث».

ويؤكد الطابور أن ما ينطبق على حركة البحث، ينطبق في المقابل على المراكز التي تنتشر اليوم بصورة كبيرة، من دون أن تقدم فعلياً إضافة نوعية لدراسة التراث، وتكتفي بتقديم منتجات، وحرف من الموروث الشعبي بصورة تقليدية تنصب في الإطار التجاري غالباً، لافتاً إلى أن عدد المركز الفاعلة بشكل حقيقي في المشهد الإمارتي يعد على أصابع اليد.

تعدد الرؤى

ويختلف مدير مركز الشارقة للشعر الشعبي الشاعر راشد شرار مع رأي الشامسي والطابور، بقوله، «لا يوجد في الوسط الإماراتي من يبحث أو يشتغل في التراث استسهالاً لذلك، أو في محاولة لتكسب مادي أو معنوي، إذ الحصول على تلك الأشياء يمكن تحقيقه بطرق أسهل»، موضحاً أن ما يحدث من مغالطات وأخطاء يقع فيها الباحثون أو حتى المراكز الأهلية والحكومية، هو نتاج تعدد الرؤى حول قضايا التراثية، وكذلك نتيجة لوجود هامش من الاجتهاد في هذه القضايا.

ويبين أنه رغم الكثير من الأخطاء التي تقع إلا أن الجهود التي تُبذل سواءً كانت فردية، أو جماعية، أو مؤسسية، تنصب في إطار حرص المواطن الإماراتي على موروثة وثقافة بلده التي يرى فيها صوته، وصورة هويته، لافتاً إلى أن الضعيف من الجهود سيتم تجاوزه تلقائياً، وستظل الجهود المتينة والقوية.

متغيرات

ويقرأ الشاعر ماجد الخاطري متغيرات البحث في التراث الإماراتي، بعين الشاعر الشعبي، والمعني بمورثه الشفوي، والمادي، فيقول: «مما لا شك فيه أن الجهود التي برزت في الآونة الأخيرة لخدمة التراث، والثقافة الشعبي بصورة عامة، جهود مهمة، إلا أن ذلك لا يعني أن الباحثين والمؤسسات المعينة تسير على الطريق الصحيح في حماية الموروث الشعبي الإماراتي، إذ تنكشف الكثير من المغالطات في تناول التراث، وتظهر بعد الأغراض التجارية والربحية لدى بعض المشتغلين في الموروث الشعبي».

ويشير إلى أن ذلك أوجد حالة من الفوضى في طرح وتناول مفردات التراث، وبالتالي ضاعت الكثير من الجهود، وغيبت كثيراً، وأصبحت النتيجة المرجوة من كل ذلك غير واضحة، ولا تخدم الغرض الذي يسعى الجميع لتحقيقه، والمتمثل في إعادة الاعتبار للتراث الإماراتي، وتأصيله. ويعتبر الخاطري أن حاجة التراث اليوم ليست إلى المراكز أو البحوث أو غيرها، بل هي تتمثل بوجود مؤسسة راعية شاملة، تشرف على الباحثين.

بلد كوني

ويقدم الكاتب الصحفي مني بو نعامة قراءته لحالة البحث والاشتغال على التراث الإماراتي بوصفه واحداً من الأقلام التي انشغلت في السنوات الأخيرة بتقديم التراث الإماراتي سواء المادي أو الشفوي، فيقول: «حاجة المجتمع الإماراتي إلى التمسك بموروثه الشعبي تبدو ملحة ومهمة أكثر مقارنة بالبلدان العربية الأخرى، إذ الإمارات بلد كوني يضم تحت مظلته تنوعاً في الجنسيات والثقافات والعادات والتقاليد، وبالتالي يكون تمسكه بموروثه أصعب».

وينوه بأن الجهود الكثيرة التي لا تتوقف أبداً في حماية التراث الإماراتي تحتاج إلى ضبط وتجويد، ومراجعات عديدة قبل أن تطرح.

مفردات غائبة

ويقول إبراهيم اليوسف، الباحث المهتم بالبيئة الشعبية، «إن العديد من مفردات التراث الإماراتي غائبة رغم أهميتها، بسب اكتفاء الباحثين بمحاور واضحة والاشتغال عليها، كالألعاب الشعبية، والأمثال، والقصيدة، وغيرها، فيما التراث الإماراتي يزخر بالعديد من المفردات التي تستحق البحث والتأصيل».

ويعتبر أن الخطأ في تناول التراث، يعد مضاعفاً مقارنة بخطأ في مجالات أخرى.

 

حكمة

مهـما جلـسـنا نضـحـك وناخـذ من الحب المِتاع

لابِـدْ لحـظات المِـفارَق نرتـشـفْ كاساتها

سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم

 

معنى كلمة «هود»

يظن البعض خطأً أن كلمة «هود» كلمة تقال للاستئذان عند دخول الرجل لمنزلِ غيرهِ، لكنها كلمة كان يقولها الرجال دون النساء من أهل الإمارات، بعد الإذن للرجل بالدخول من قبل رب المنزل أو من يقوم مقامه من الرجال، وكان يرد عليه بقولهم له «هْدا». وقد وردت هذه الكلمة في قصيدة جميلة للشاعر الكبير راشد بن سالم الخضر السويدي، حيث قال:

هــود يــا اْهْــل الـبــاب اْلِـمْــبــَوَّب يــــوم تــَــم الــوعــَـد يـيــنــاكــم

يــِـرُّوا رْشــاكــم مــــن مـْـهَـــذَّب واسـقـوا الـعـطـشــان مــن مـاكــم

 

ولعل كلمة «هود» تتصل بمعنى فصيح هو كلمة «هود» التي من معانيها الرفق في المشي والإبطاء، وجاء ذلك في كتب اللغة «والتَّهْوِيدُ والتَّهْوادُ والتَّهَوُّدُ: الإِبْطاءُ في السَّيْر واللِّينُ والتَّرَفُّقُ»، وربما يرجِّحُ هذا المعنى أن الذي يريد أن يدخل وهو يقول كلمة هود يمشي ببطء ويتريث في الدخول حتى لا يرى نساء البيت ومحارمَه.

 

مسك الكلام

وَلاَ خِيْرةٍ في الْمَالْ عَــنِيّ أخَلْفِـــهْ

عَلَى الْوَارِثِينْ وِالْعِرضْ فِيه ذْمُوم

وَالدَّهَرْ هَذَا عَامِلِـــهْ مِـــدّةْ الْمِـــدَا

تَـــرَا تْدُورْ عِقْـــب الفالعات وِلوُم

 

الماجدي بن ظاهر

الإشراف العام : عبدالله حمدان بن دلموك

المتابعة والتنسيق : سالم الزمر