الانطباع الأول لجمهور ندوة الثقافة والعلوم بدبي، أول من أمس، أثناء تذوقهم لـ "قراءات من قصائد الشعر النبطي القديم" جسده تساؤلهم عن طبيعة العلاقة بين الرواة الشفاهيين، الذين استضافتهم الندوة لإلقاء ما تحفظه صدورهم من الشعر، وهما الشاعر راشد العصري والشاعر سيف بن سليمان، وبين شعراء أربعينات وخمسينات القرن الماضي، حيث أبدى الشاعران تأكيدهما أن الشعر النبطي القديم يمثل المنهج التاريخي لتراكيب المجتمع المحلي، ما يشكل بدوره بيئة القصيدة المحلية، كاشفين موهبة الحفظ ودورها النوعي في استثمار الذاكرة المروية، طارحاً بلال البدور، الوكيل المساعد لشؤون الثقافة والفنون في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع نائب رئيس مجلس إدارة الندوة، خلال إدارة الأمسية، أطروحات حول دور القصيدة المغناة في حفظ جزء كبير من موروث القصيدة الشعبية في الإمارات.
توسط معالي محمد المر رئيس المجلس الوطني الاتحادي، مجموعة من الشعراء والمثقفين المهتمين بالقصيدة النبطية خلال الندوة، باعتبارها تشكل انعكاساً موضوعياً لأشكال الحياة الفكرية في المنطقة، إلى جانب دورها في إثراء البعد التنموي للمعيشة اليومية للأفراد، نتيجة تفاعلهم مع المتغيرات على مستوى الموقف الشخصي من قبل الشعراء أنفسهم، أو الأحداث عموماً في المجتمع، وقال الشاعر راشد العصري حول ذلك: "هناك هموم ومعاناة تبناها الشعراء في الفترة ما قبل الخمسينات، ولكن ظل الغزل، والعاطفة في مخاطبة الآخر، أبرز ما تلج به قريحة شعراء تلك الفترة".
لفت العصري إلى أنه بدا ملحوظاً اهتمام العديد من المؤسسات المعنية بالتوثيق بشكل عام، ومنها أكاديمية الشعر بأبوظبي، وجاءت شراكتهم أخيراً مع المؤسسة الأكاديمية من خلال مشروع تجميع لقصائد الشاعر راشد بن ثاني، كاشفاً تفاصيل موهبته على حفظ القصائد، قائلاً بـ اللهجة المحلية: "كنت ألقطها من الهوا"، ويقصد أنه يحفظ القصيدة من اللحظة الأولى لسماعه لها. وألقى الشاعر راشد خلال الأمسية قصيدة له بعنوان "نصيحة شاعر"، مفتتحاً بها الأمسية، مبيناً أنها تستهدف الشعراء الشباب، الذين أصبحوا لا يعون أهمية مراجعة القصيدة، وتحقيق التواصل مع أهل الخبرة، وقال فيها: "واسمعه نقده خويك لي رمَس** جان تبغي ايزين نظم تعربه".
رغم التأثر المباشر للشاعر راشد العصري بقصائد الشاعر الراحل سالم الظفري، الذي قرأ له الكثير خلال الندوة، بإيقاع العاطفة الجياشة، ومنها قصيدة "حلو التباريح"، إلا أن الشاعر سيف بن سليمان، اتخذ من علاقته بالشاعر محمد بن سعيد الزعابي، والمتعارف عليه محلياً بـ "الرفجة"، والأخير إشارة حول عهود الأصدقاء قديماً في الإمارات، سبيلاً ودافعاً لحفظه مجمل قصائد الراحل، وبحسب تعبير الشاعر سيف أنه بالرغم من خوفنا الدائم على القصيدة المحلية، وإثر وفاة الكثير من الرواة، إلا أن الاهتمام الملحوظ مفرح، ويحتاج آليات متابعة منهجية، حيث قرأ سيف عدة قصائد للزعابي، وقال في إحداها: "يوم اذكر اسمك صرت مجنون.. آخذ عشر ساعات ما فيج، ارضف الونات مغبون..ازقر ونادي يا مصاديج، ارجوكم لحالي اتثيبون.. مطعون مقصوص المعاليج".
رصد الشاعران ، خلال حديثهما عن الحراك المجتمعي للشعر النبطي في الإمارات، أهداف الكتابة الشعرية، باعتبارها أداة للتواصل، فقد اعتمد تطور الشعر النبطي، كما أوضحا في الكثير من الأحيان، على العديد من تقنيات الرد والكتابة بين شعراء تلك الحقبة، مشكلاً ذلك شيئاً من التنافسية الشعرية، والتلاقي الانساني، فالأدب بطبيعته تأريخ للوجدان المجتمعي بين الأمم. واستمر الشاعر سيف بن سليمان بإلقاء المزيد من القصائد، ومنها قصيدة للشاعر راشد بن صفوان،التي قال فيها: "كامل جماله زين توه.. زم الصبا عوده ولتراب".
