صدر أول من أمس كتاب جديد للدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بعنوان "آفاق العصر الأميركي: السيــادة والنفــوذ في النظام العالمي الجديد" يضع فيه خلاصة فكره وعصارة تجربته البحثية، كمحاولة على الطريق لاستكشاف معالم النظام العالمي الجديد، ويعدّ الكتاب إضافة نوعية جديدة إلى المكتبة العربية تهدف إلى تقديم نظرة موضوعية تحليلية معمّقة قائمة على الإحصاءات والبيانات والمعلومات، بعيداً عن الانطباعات والانحيازات والرؤى الشخصية غير العلمية، وإسهاماً في تسليط الضوء على بنية ومسارات وهيكلية القوة والسيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد خلال السنوات والعقود المقبلة، بما يسهم في فهم ما يدور إقليمياً وعالمياً، ويساعد على بلورة رؤى استراتيجية واضحة للمستقبل.

جدل عالمي

وفي تناوله للنظام العالمي الجديد، في كتابه هذا، يتخذ الدكتور جمال سند السويدي طابعاً مغايراً لما سبق طرحه من قبل، برغم وجود خطوط اتفاق عامة حول مكانة الولايات المتحدة الأميركية ودورها في هذا النظام، فالجدل العالمي حول ظاهرة مثل العولمة لايزال محتدماً بين المنظّرين والباحثين بل ورجال الأعمال والمستثمرين حول طبيعتها وتأثيراتها وأبعادها، وكذلك حول سبل تعظيم مردودها.

وبين هذا وذاك، هناك من يتقوقع حول ذاته ساعياً إلى تجنب تأثيرات العولمة أو الالتفاف حولها أو الاختباء منها، غير مدرك أن موجاتها باتت من القوة والاندفاع والتسارع بدرجة لم تعد الحواجز الطبيعية أو المصطنعة تجدي معها نفعاً.

التقديرات المستقبلية

وفي هذا الكتاب لا يرسم كاتبه، د. جمال سند السويدي، المستقبل ويخطط له، فالمتغيرات المتسارعة والتطورات الهائلة التي يشهدها العالم قادرة على تجاوز أي تخطيط، ودفع بوصلة التقديرات المستقبلية إلى التذبذب بين مختلف الاتجاهات في حراك متسارع دونما استقرار، فالمستقبل يرسمه الحاضـر انطلاقاً من الماضـي، وإنما يسعى من خلال هذا الجهد العلمي إلى تسليط الضوء على معطيات الحاضـر مع استيعاب دروس الماضـي، من دون استغراق فيه؛ لإدراكه أن الماضـي قد يعوق في بعض الأحيان جهود التخطيط للمستقبل، بفعل ما ينطوي عليه هذا الماضـي من أثقال وربما إخفاقات قد يتسبب استحضارها في إطلاق سحابة من التشاؤم، أو الحذر على أقل التقديرات، تجاه المستقبل.

فهو لا يسعى في هذا الكتاب إلى رسم خريطة طريق استشـرافية، بل إلى توضيح حقائق وتسليط الضوء على مؤشـرات إحصائية وتحليلية يستنير بها من يشاء، ويتجاهلها من يريد، لكن في كل الأحوال يبدو من الصعب إنكار دلالات هذه المؤشـرات وتأثيراتها، التي تؤطر لنقاشات رشيدة حول النظام العالمي الجديد في حاضـره ومستقبله، وبواعث الصـراع فيه، ومدى تنوعها من حضارية، أو ثقافية، أو اقتصادية، أو عسكرية، أو علمية، أو تعليمية، أو قضايا تتداخل فيها كل هذه الأبعاد أو بعضها، وتوضيح إذا ما كانت الصـراعات العالمية المحتملة بين الأمم والدول ستنشأ وتتمحور حول الحضارات والأديان والثقافات أم حول المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسـي وما يرتبط بذلك من تفاعلات العولمة في شتى تجلياتها.

 

اتجاهات التغيير

يرى د. جمال سند السويدي، في كتابه الجديد "آفاق العصر الأميركي: السيــادة والنفــوذ في النظام العالمي الجديد"، أن إدراك اتجاهات التغيير ومساراته وأبعاده وتأثيراته الاستراتيجية المحتملة واستشـراف آفاق النظام العالمي الجديد وفق منهج علمي واضح، قد يتيح فرصاً ثمينة للحفاظ على المصالح، كما أن الغوص في تحليل مؤشـرات الحاضـر وشواهده والتعمق في سبر أغواره يجبرنا حتماً على التفكير في المستقبل.

ولا يزعم أنه يطرح رؤية نهائية لا تحتمل النقاش أو الجدال بشأنها، أو يدّعي امتلاكاً مطلقاً للحقيقة، فالمستقبل مفتوح أمام الجميع، ولكن امتلاكه حق لمن يؤمن بمنهج التفكير العلمي فقط.