أثارت الموجه الأخيرة للكتابات الشبابية الإماراتية مسألة التنافسية بين دور النشر في المنطقة، خاصةً أن الأخيرة بدأت تزج النصوص الأدبية في بحر من العناوين اللافتة، تبعاً لمتطلبات البعد التسويقي والتجاري، متمثلاً ذلك في ما أنتجه الكاتب محمد المرزوقي عبر كتابه "إماراتي في الرياض" والكاتب الشاعر طلال سالم من خلال كتابه "إماراتي في نيجيريا"، فقد استوقف المتابعون لحركة النشر والمثقفون المشاركون في مناقشة الكتابين، أول من أمس، في ندوة الثقافة والعلوم بدبي، ما اعتبروه تشابها وتكرارا بين العنوانين، بالرغم من اختلاف الأسلوب الضمني لتوجهات الكاتبين، إلا أنهما التقيا في مكاشفتهما للنمطية الذهنية بين المجتمعات، وتبددت أبرز تحفظات جمهور الندوة المشارك في مسألة تصنيف الكتابين، بين السيرة وأدب الرحلات، أمام رهان تلك الإنتاجات، في حسها التشويقي، معتبرين أنه لون أدبي قريب من سرد المغامرات، والمذكرات، لافتين إلى أهمية اللمسة المعرفية والإضاءات، التي افتقر إليهما الإنتاجين، معبرين عن ذلك بسؤال طرحته الأديبة شيخة المطيري أثناء إدارتها للندوة مفادها:"ما هو الجديد في الكتابين، وأين تكمن تحديداً الإضافة؟".

لعبة السوق

"180 درجة في نيجيريا" العنوان المقترح من قبل الكاتب طلال سالم، إلا أن ناشر الكتاب دار "مدارك للنشر" فضلت أن تقحم مفردة (إماراتي) في العنوان، كالذي أقدمت عليه مسبقاً دار "كتّاب للنشر" في كتاب المؤلف محمد المرزوقي "إماراتي في الرياض"، وبتأكيد من طلال سالم، أنه ترك الموضوع للناشر، وتوضيح من جمال الشحي صاحب دار كتّاب للنشر، خلال الندوة، أن المسألة ارتبطت بالفكرة التجارية والتسويقية، ما يسهم في إفراز ظواهر جديدة تجاه توجهات السوق المحلي، وذلك في انتقاله من مدلولات الكم إلى جدلية مستقبل صناعة النشر في المنطقة، التي يراها البعض محركا إيجابيا للسوق، بينما يفضل آخرون العودة إلى مسألة التقنين في النشر، والبحث في القيمة المعرفية ومتعة الاكتشاف وعلاقة القارئ بالكتاب وعلاقة المؤلف بنفسه ومنبع التجربة الشخصية، التي رشح الكاتب استحقاق خروجها للعالم.

الرقيب الداخلي

فسر محمد المرزوقي أسباب تقديمه لمبررات إيجابية حول الملاحظات السلبية التي شهدها في الرياض، أنها تعود للأهمية التاريخية لبعض المرافق الحيوية في المملكة، كالمطارات مثلاً، مبيناً أن الكتاب حمل سمة الشكر للشعب السعودي. إلا أن القارئ، يلحظ حضور الرقيب الداخلي في ذهنية المؤلف، خاصة عند المرور بقضايا حساسة، متعلقة بالسلطة الدينية، وتركزت مداخلات الندوة للكاتب محمد في مدى إمكانية الجرأة التحليلية لأبعاد الصور النمطية للمجتمعات سواء بين دول الخليج، أو بين مجتمع الإمارات والمجتمعات الأخرى. وتساءلت الدكتورة حصة لوتاه عن الأبعاد الفكرية في وضع كلمة "إماراتي" في العنوان، قائلة: ( في الحقيقة، لا أدري لماذا قادني العنوانان إلى عنوان فيلم "بدوية في باريس)، مضيفةً ملاحظتها حول البعد النفسي والمحاورة الداخلية بين المؤلف والمجتمع الذي عايشه سواء في الرياض أو نيجيريا وما أسمته بالصورة الذهنية عن المجتمعات.

إعادة اكتشاف

يكتب طلال بنفس حسي وشعوري على مستوى الموقف في رحلته عبر الكتاب، مستخدماً تقنية الخريطة الذهنية، ويمثل "إماراتي في نيجيريا" الإنتاج الرابع، بعد 3 دواوين شعرية، اعترف أن كشفه للمغالطة الذهنية بينه كفرد في الخليج، وبين المجتمع النيجيري، كانت لها الأثر الأكبر في إعادة اكتشاف ذاته، حصد خلالها حميمية خاصة تجمعه مع النيجيريين، مؤمناً أنه لا وجود لكتاب كامل، هناك دائماً نواقص، قد يراها البعض في بحث المؤلف قبل الكتابة، ولكنه فضل الانطلاق كتجربة إنسانية، طارحاً مسألة الخوف وفقدان الأمان في نيجيريا، مقارنةً بالإمارات، كسراً لقاعدة المواجهة، بينما مر طلال على الثقافة النيجيرية، كما أوضح، مروراً سريعاً، كقبيلة الهاوسا في نيجيريا، مرجحاً فكرة أن الثقافة العربية هناك تحتاج للكثير من الدراسات.

الذاكرة... كائناً مكتوباً

قدمت الأديبة صالحة عبيد قراءة نوعية للكتابين في مقدمة المناقشة بالندوة تحت عنوان: "الذاكرة باعتبارها كائناً مكتوباً بين الرياض ونيجيريا"، لافتةً إلى البعد التقني لكلا الكتابين، ومضامين اللغة، على مستوى الإيقاع ووصف المدن، واصفةً لغة "إماراتي في نيجيريا" التي تراوحت بين الفصحى والعامية، بالسرد على الصوت الواحد، ومن جهته التزم "إماراتي في الرياض" بالمباشرة والخلاصة إلى المعلومة.