فنان تشكيلي من طراز فريد، انطلق من "بهجورة" إحدى القرى المصرية المشهورة بزراعة القصب والنخيل، فارتبط اسمه بها، ووصل به إلى العالمية، خاطبت لوحاته الأحاسيس والوجدان، فاصطحبت المتلقي في رحلة مدهشة نحو عوالم ساحرة.
انحناءات الجمال تجذبه أينما كانت، فالمرأة مُلهِمته، والتفاحة شرارته نحو الإبداع، والحصان نقطة انطلاق لا مفر منها، ومع كل عنصر يبقى الرسم - لديه- لغة مستقلة بذاتها.
شغفه نحو التعلم جعله يخفي شهادة تخرجه من قسم الفنون الجميلة، ليجلس طالباً على مدرجات الدراسة في باريس، إلا أن إبداعه ونظرة أستاذه الواعية، فضحتا أمره، وأجبرتاه على ارتداء "البدلة الرسمية" ليشارك أستاذه تعليم الطلاب.
إنه الفنان التشكيلي المبدع جورج البهجوري، الذي يرى بأن الدول العربية تعاني أمية العين، ويأسف لحال الفن التشكيلي بعد أن أصبح تابعاً للأدب، مطالباً الأدباء بالعودة إلى صوابهم والانحناء للرسم.
وأكد ان دبي ساحرة بأناقتها ونقاءها. "البيان" التقت البهجوري، وكان الحوار التالي: بعد ستين عاماً في عالم اللوحات والفن التشكيلي، كيف تنظر له ؟
للأسف، طغى الأدب على الفن التشكيلي، ووقف له كالخصم، فأصبحت الكلمة تسبق الصورة، بعد أن كان الرسم يسبق الكلمة، ورغم أن الاثنين يندرجان تحت مفهوم الثقافة، إلا أن العالم العربي لا يعي أن الرسم لغة بحد ذاته، على عكس الغرب الذي يعي ذلك منذ وقت طويل.
ولذا لا بد أن يعود الكتاب والأدباء إلى صوابهم، وينحنوا لفن الرسم، ولا يتعاملوا معه كنِد، وللأسف فنحن نعاني من أمية العين، ولا بد أن نعود إلى وعي العين المبصرة المثقفة.
أمام لوحات الفن التشكيلي، يقف الكثيرون ويضيعون بين خطوطها، ويعجزون عن فهمها، فهل لغة الفن التشكيلي مبهمة؟
برأيي أن هذه كارثة حقيقية، فهناك أسلوب يجب التعامل من خلاله مع اللوحة التشكيلية، إذ يجب تعليم قراءة وتذوق الفن منذ الصغر، وهذا ما لم نتعلمه في مدارسنا، في حين أننا كنا ندرس الشعر العربي جيداً، ونغوص في سيرة المتنبي والمعري وأبي تمام وأبي نواس وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وغيرهم.
وبالنسبة للفن التشكيلي، فهو يستلزم عيناً مبصرة تتذوق العناصر اللونية، كاللون والانسجام والتكوين والفلسفة والقراءات الأولى والثانية والثالثة، وهذا ما يتم تدريسه في أوروبا، إذ تصطحب المعلمة الطلاب إلى متحف اللوفر مثلاً، وتناقشهم فيما يلفت نظرهم نحو اللوحة، فيقرأونها بأكثر من زاوية، وهذا ما نفتقده في المدارس العربية التي تقتصر على حصة الرسم في حين تنسى حصة تذوق الفن، وهي الأهم.
تخريف
ولكن هناك لوحات غامضة حقاً. فهل يقع اللوم في عدم فهمها على المتلقي؟
كثيرون يتعاملون مع لوحات الفنانين على أنها "تخريف"، لكن الفنان التشكيلي يرسم رسماً واقعياً، سواء "موديل" أو طبيعة صامتة أو زجاجة وكوب أو فاكهة، وهذه أمور مباشرة، وهناك نظريات معينة للرسم، أما اللوحات الغامضة فقد تكون أسلوب من يهرب من الحقيقة أو الأصل أو النظريات نفسها.
من خلال خبرتك، هل الفن التشكيلي موهبة أم اكتساب ودراسة؟
لا بد أن يمتلك الفنان التشكيلي الموهبة كي يبدع، ثم يدعمها بالدراسة، وبالنسبة لي فقد كنت دائم العبث بالأوراق أمامي وأنا في السنوات الأولى في المدرسة، و"شخابيطي" في كل زوايا وجدران المنزل، ما دفع اثنان من أقاربي لاحتضاني منذ الصغر، وتوجيهي لدراسة الفنون.
وبدأت دراسة الفنون الجميلة في مصر، إلا أنني لم أشعر بالإشباع بعد تخرجي، ما دعاني للدراسة مجدداً في باريس، وجلست بين الطلاب والطالبات، وبدأت الرسم، فوقف أستاذي إلى جانبي، وطلب مني فور رؤيته للوحة التي رسمتها بأن أرتدي "البدلة" وأعمل إلى جانبه كمساعد أستاذ.
تمتاز لوحاتك بحس كوميدي واضح، لأي مدى ترتبط الكوميديا بالفن التشكيلي؟
الرسم في نظري لغة متفردة بنفسها، هو كوميديا في مواضع، ودراما في مواضع أخرى، وبينهما ارتباط واضح وقوي، ولكن يقع على عاتق المتلقي أن يكون ذكياً في التقاط الصورة.
ما الذي لا تستطيع مقاومة رسمه؟
تثير الانحناءات الإبداع في داخلي، فأعشق رسم الأنثى والتفاحة والحصان.
هل يُطعم الفن خبزاً؟
كانت بداياتي صعبة، وتعرضت للغربة ولضيق ذات اليد، ولكن عشقي للفن جعلني أرافقه بكل صعوباته، وأعيش الآن بين مصر وباريس، وسعيد بخياري هذا، الذي أغذي من خلاله روحي قبل أي شيء آخر.
سِحر دبي
لم يستطع الفنان جورج البهجوري إخفاء إعجابه بمدينة دبي، واصفاً إياها بالسحر، وقال: أشعر بالفخر حين أرى المدن العربية وصلت إلى هذا المستوى من النهضة الثقافية والمعمارية والاقتصادية.
وأرى في دبي وعيا كبيرا سببه القيادة الحكيمة التي تدعم الفن والأدب والحضارة بكل أشكالها، وقد سافرت لعدة بلدان، وأرى أن دبي تشبه باريس ونيويورك في أناقتها ونقائها ونظافتها واحترام مواطنيها للقانون، واحترامها للإنسان.
