تكمن قوة الفكرة النوعية التي أقدمت عليها الكاتبة والرسامة السورية جلنار حاجو، عبر تأليف قصة للأطفال بعنوان "أنا والأنا حِمل ثقيل" في مناقشتها لمفهوم (الإيجو) وأبعاده الاجتماعية في تنشئة الطفل، ويرتبط مفهوم (الإيجو) بقيمة الأنا، وهو معني بإشكاليات الدنو والأنانية وغيرها من إشكاليات الصراع النفسي مع الذات والآخرين، حيث ركزت المؤلفة على تأصيل قيمة المنح والعطاء الإنساني عبر قراءة التفاصيل اليومية للأطفال في غرفهم الخاصة مع ألعابهم في الحديقة وأثناء الحصص المدرسية، وفي الأماكن العامة، وغيرها، ليستلهم القارئ الكبير قبل الصغير أنها دعوة للسلام النفسي للأطفال، وسعي منهجي لدمج الوعي الاجتماعي بين الكبار والصغار من خلال أدب الطفل.
(أنا) في الصورة
يبدأ اللقاء الأول مع الكتاب من خلال العنوان: "أنا والأنا حِمل ثقيل"، وبعفوية المعنى، تتشكل الرسومات التي صنعت من خلالها جلنار الصورة البصرية الأقدر على التقاط عيون الأطفال والقارئ الكبير للقصة، الذي يجد شخصية طارق الذي يحمل خلف ظهره حقيبةً على شكل كلمة (أنا)، منطلقاً في إطلالته الأولى للسماء كالريشة، بحسب تعبيره في القصة، بعد أن تخلص من حمل (الأنا)، وهنا التفافة نوعية للمؤلفة، حيث أقدمت على تقديم صورة للقارئ الصغير في بداية الرحلة مع القصة، ليتعرف بعدها مع القصة إلى سبب فرحة طارق، وكيفية تخلصه من حمله الثقيل، مرتحلاً مع حكاية البحث عن الإجابة في تفاصيل القصة.
مبادرة نوعية
انتشرت في الآونة الأخيرة مناهج تطوير مشاريع التنمية البشرية في العالم العربي، التي تسعى بالدرجة الأولى إلى تحقيق مسلمات سلامة النفس البشرية، وخاصة بعد انتشار أشكال العشوائية والتلوث الفكري المجتمعي، إما بسبب الإعلام أو المتغيرالمجتمعي، أو ما تسببه الأنظمة السياسية والحروب في العالم، وانتبه المعنيون بتوعية الأفراد بالسلامة النفسية إلى أهمية الوعي بإشكالية (الإيجو)، باعتبارها من أبرز مسببات الصراعات النفسية التي تلقي بظلالها على ظواهر عديدة، وحضور قصة "أنا والأنا حِمل ثقيل" شكل مبادرة نوعية من قبل مؤلفة قصص الأطفال، حيث تكمن أهمية منتجها في تحقيقه المتعة البصرية والجمالية، كون القراءة استمتاع بالدرجة الأولى بالنسبة للأطفال، مستهدفةً ملفاً نفسياً يُعد الأبرز على مستوى المناقشات الدولية في التنمية البشرية.
وعي الكبار
القصة في تصميم شكلها الخارجي تثير حفيظة الأطفال لقراءتها، واعتمدت فيها جلنار على اللون الأسود، والخط التشكيلي في تعزيز أوجه شكل الشخصية والديكور وزوايا مشهد كل لوحة في القصة، إلا أن المضمون أثار أهمية مزج وعي الكبار في قراءة القصة مع الأطفال، وتحديداً هذا ما استطاعت "أنا والأنا حِمل ثقيل" تحقيقه، كمعيار لتطور أشكال صناعة قصص الأطفال في العالم العربي، ففي مشهد جلوس طارق في غرفته الخاصة مع ألعابه يقول: "ركبت دراجتي ونزلت إلى الحديقة.. دراجتي رائعة لا أحد يملك مثلها.. أنا الأسرع بين أصدقائي والطريق لي وحدي"، وهنا سيتعرف الوالدان إلى طبيعة مفهوم (الإيجو) ببساطة الطرح القصصي، ما سيؤهلهم لإدراك ذلك في أطفالهم ومعالجته.
سيرة
جلنار حاجو (دمشق - 1977)، خريجة كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق.كاتبة ورسامة للأطفال، صدر لها 20 كتاباً للأطفال، وحازت على جائزة أفضل نصّ من مؤسسة "آنا ليند" السويدية عن كتابها "عندما أغضب -عندما أحزن". وشاركت في سلسلة من ورشات العمل للرسم،وهي مسؤولة دار الأصابع الذكية للنشر.

