نظمت الطاولة المستديرة، التي تقيمها شهرياً جامعة باريس السوربون ابوظبي، جلسة نقاشية حول إعادة النظر في الاستشراق بعنوان "تقييم وإعادة تقييم وتفكيك" شارك فيها تيري لوجي، استاذ مساعد الفن الأوربي في القرن التاسع عشر جامعة باريس السوربون، والدكتورة انكي ريخنباخ استاذ مساعد علم الانسان الثقافي والمديني بجامعة زايد دبي، والدكتورة أولريك الخميس كبير المستشارين الاستراتيجيين في ادارة متاحف الشارقة"

وتطرقت الجلسة إلى أن الغرب كان ولايزال مسحوراً بحضارة الشرق، وقد ترجم ذلك الاهتمام والانجذاب غربيون قاموا بالسفر إلى بلدان الشرق وسجلوا من خلال الفن ما بهرهم وعلق بذاكرتهم فخلدوا تلك الصور البعيدة . ومن خلال لحظة الاستشراق والاهتمام الغربي بالشرق، كان الفنانون في طليعة من حضر للتعرف على سحر بلاد الشرق وتوثيقها في لوحة فنية أو منحوتة.

اهتمام الغرب

وقال تييري لوجي :" برز اهتمام الغرب بدول الشرق والذي ساهمت فيه الحملة الفرنسية للكشف عن هذه المساحة المخفية عنهم، كما كان لقصص ألف ليلة وليلة دور في زيادة هذا الولع بكل ما هو شرقي، حيث ارتبط الشرق بالسحر والشمس الساطعة، واهتمت لوحات الاستشراق بتصوير الحياة الشعبية بما فيها من خيال خصب. فنجد ان بعضهم قد حضر ورسم من خلال المشاهدة، فاهتموا بالآثار والأزياء والعادات والتقاليد والعمران وطرائق المعيشة، وظهر تأثير الحضارة الشرقية على الفن الأوروبي المسيحي اللاتيني، وفي القرون الوسطى حتى عصر النهضة حيث انتقل أثر الفن الشرقي من دول حوض البحر المتوسط إلى معظم دول أوروبا.

واضاف " عند الحديث عن الاستشراق يجب دراسة تطور الشكل الفني في التصوير، من حيث أسلوب التعبير وطريقة الأداء، وكذلك الاهتمام بالجوانب المؤثرة في النتاج الفني، كالجوانب السياسية والاجتماعية والبيئية والعلمية وغيرها، مشيراً إلى أن الارتباط بمعاني الشرق والغرب كان بالأساس معتمدا على مفاهيم فلسفية منذ القدم ".

المفهوم الفني

من جانبها، أوضحت الدكتورة انكي ريخنباخ ضرورة إبراز المفهوم الفني للاستشراق، والتفرقةً بين الفن الذي أنتجه فنانو الشرق أنفسهم، وذلك الذي ارتبط بالمستشرق نفسه، ، سواء كان فناً مرسوماً كإبداع، أو دراسات تعلقت بالفنون الشرقية، لافتاً إلى أهمية الاستشراق في الفن أو ماهية الشرق، وأهمية التصوير فنياً وعلمياً وتاريخياً وقومياً، وكذلك أهمية علاقة دوافع الاستشراق بالاستشراق الفني من دوافع دينية واستعمارية وعلمية وتجارية وأثر كل ذلك على الفن.

واشارت إلى المؤثرات الشرقية المبكرة الواضحة في التصوير المستمدة من الفن البيزنطي، وتلك المؤثرة المستمدة من الفن الإسلامي، حيث تظهر بوضوح أثر البيئة العربية على أعمال المصورين المستشرقين، منهم على سبيل المثال المصور جان ليون جيردم، والمصور جون فريدريك لويس، والتي تبرز العمارة القديمة والإسلامية وملامح الشرق وفنونه في اعمالهما.

البهاء الشرقي

فيما أكدت الدكتورة أولريك الخميس أن الشرق اصاب فناني الغرب بالدفء و قبس من الشمس أضاءت ألوانها، فرحلوا بحثاً عن كل غريب وغير مألوف فتنقل جزءً كبيرا من البهاء الشرقي إلى صميم أعماقهم، مشيراً إلى أن الاستشراق ليس إلا مرحلة من مراحل نزوع الأوروبيين نحو غريب وافد وكان هذا النزاع قائماً منذ عهد الرومان الذين عادوا إلى بلادهم حاملين عقيدة (إيزيس المصرية ) و عقيدة ( ميترا) الفارسية.

وقالت: "بدأت مرحلة الاستشراق منذ لحظة سقوط القسطنطينية على أيدي الأتراك العثمانيين فكان هذا الحدث الهام إيذاناً بتسرب المظاهر الشرقية الى أعماق أوروبا وكان محط هذا الاستشراق الفني مدينة البندقية حيث استقبل امراؤها السفراء الأتراك المعممين مصحوبين بالجنود الانكشاريين المدججين بالأسلحة وما لبث المصور البندقي ( جنتيلي بليني ) أن قصد القسطنطينية ليرسم السلطان محمد الفاتح، ثم رسم كل من السلطان ( قاتيباي ) و( الغوري ) ولوحة استقبال سفير البندقية في القاهرة و قد اعتاد المصورون الأوربيون في مبدأ الأمر اقتباس لوحاتهم الاستشراقية من مجموعة الصور المطبوعة بطريقة الحفر المعروفة باسم) العادات و الأزياء التركية ) للفنان ( ملكيور لورك ) التي نشرت في القرن السادس عشر.

 

مناقشات

دارت مناقشات المشاركين في الجلسة حول ضرورة إعادة النظر في الاستشراق خاصة وان المشكلات تنبع من القضايا العامة وأهمها: تمثيل الثقافات، والمجتمعات، والتواريخ الأخرى، والعلاقة بين القوة والمعرفة ودور المثقف والمسائل المنهجية المرتبطة بالعلاقة بين أنواع النصوص المختلفة وبين النص والسياق وبين النص والتاريخ.