لا يمكن للشعر أن يحلّق من دون ناسه وأمكنته، فتلك عناصر أساسية لإقامة المشهد المبتغى.. هكذا يقف الشاعر على تماس حار بين عبارته وبين المتلقي حياً كان أم ساكناً. لعل هذا الكلام، هو خلاصة الانطباع الذي خرج به، من كانوا في أمسية الشاعر شوقي بزيع، التي أحياها ضمن البرنامج اللبناني في الدورة الثانية والثلاثين من معرض الشارقة للكتاب..
حيث حضر الشعر في فلسفته وحكمته وإنسانيته، كما في الهوى والاشتياق، والشغف بالنساء، كما حضر تألق المكان الذي حلّ فيه الشاعر مجدداً ضيفاً، وهو الذي زاره مراراً، وفي كل مرة يجده أكثر بهاءً.
شعرية الحروف
وتنقل شوقي بين النصوص الشعرية القصيرة والقصائد الطويلة التي تنوعت بين تبدلات الإنسان في الزمن كما في قصيدة "الزهايمر"، وبين استحضار الحكايا التاريخية وإسقاطها على راهن الأحوال "الأغنية الأخيرة لمالك الحزين"، التي اختتمها بقوله: "في جهات حمص قيل مات مالك الحزين/ وقيل حين مات جفت الدموع في عيون أهلها / وقيل إن لوثة من الجنون خالطت عقولهم/ فجيّشوا الطبول كي تصم سمع تيمورلنك/ وأطلقوا أعنة الرياح من أقفاصها/ لكي تدك عرشه المكين/ وحيث مالت الأشجار باتجاه الأرض/ وانحنت على جذوعها/ ونكست جدرانها البيوت/ وحده الإنسان ظل واقفاً/ واتخذت مقابض الأبواب شكل "لا".
وأنشــد بزيع إحدى روائعه "قمصان يوسف"، والقصائد الأخرى، مثل: "مسافة"، و "ســراب المثنى" التي كتبها في امتداح اللغة العربيــــة، واستنطاق شعرية الحروف والصيـــغ التعبيرية، كالحرف المعتل، وتــاء التأنيــث، وجماليـــة المثنى التي استهلها امرؤ القيس بصرخة: "قفا نبــــك"، والتي حولــت الصحراء العربيـــة إلى غابـــة من الثنائيات العاشقة.
لعبة التبادل
وفي قصيدته "تأليف"، تجلت لعبة التبادل بين الأشياء والكائنات ومعادلها في اللغة، حيث يقول الشاعر: " أدعو الجلابيب الطويلة للظلال/ طريقتي في جر حرف السين نحو السرو/ أو جر أعناق النباتات التي ولدت حديثا/ كي تحل محل حرف التاء/ وبضربة النحات وزعت النقاط على الحروف/ لكي تطل بصورة أخرى".
فواصل
وإذ يتقصد شوقي بزيع تأكيد علاقة الشعر بعناصره الإنسانية والمكانية، في أسلوب دأب عليه في أمسياته، تنساب العبارات من عين اللحظة، طازجة ومحببة، عبر فواصل متنوعة بين القصيدة وأختها، قدمها الشاعر مازجاً فيها روح الفكاهة الرصينة بتقديم التوطئة المختصرة لطبيعة القصائد وخلفياتها الرمزية والأسطورية، ما أضفى أجواءً من الألفة بين المنصة والناس في القاعة، وتفاعلاً بدا جلياً بالدمعة المخنوقة أو الابتسامة المنطلقة على الوجوه.
حكاية عن الإمارات
في مستهل الأمسية، تحدث الشاعر اللبناني شوقي بزيع عن علاقته بأرض الإمارات وناسها، فقال: "في ألف ليلة وليلة، دائماً هناك صورة غريب تائه، ينام على الرمل العاري، باحثاً عن المدينة الحلم التي يمكن أن يحقق ذاته فيها، ثم يستيقظ، ويجد أن المدينة قد بنيت بسحر ساحر، وهذا هو الحال في الإمارات التي تقاس وتيرة نموها باليوم والساعة لا بالسنة والعقد..".ويستطرد قائلاً:" أما الشارقة فهي رمز للشروق الذي يجدد ذاته يوماً بعد يوم، دون أن يؤول إلى غروبه الآفل".
