تنظم الأكاديمية الملكية في لندن، معرضاً للرسام الفرنسي هنري دومييه (6218-1866)، الذي وصفه الشاعر الفرنسي شارل بودلير بأنه أحد أهم الرجال في الفن الحديث، ونالت أعماله إعجاب فنانين كبار أمثال سيزان، وفان جوخ، وبيكاسو، وفرانسيس بيكون وبيتر دويغ، كما ترك تأثيراً واضحاً في أعلام الفن الحديث في نهاية القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين.
رؤى من باريس
أغلب الناس لم يسمعوا حتى بالرسام دومييه، فهو ليس معروفاً على نطاق واسع بين الجمهور، ولم يتمتع يوماً بالشهرة التي يستحقها إبداعه، وكان هذا الجانب أحد الأسباب التي دفعت الأكاديمية الملكية لجلب 130 عملاً يحمل توقيعه، وتقديمها ضمن معرض "رؤى من باريس" بين (26 أكتوبر الماضي - 26 يناير المقبل)، وهو المعرض الذي يقام لأول مرة منذ خمسين عاماً في بريطانيا للفنان دومييه، بعد العرض الذي أُقيم عام 1961 في غاليري "تيت" اللندني.
عرض أول
من بين الأعمال المعروضة لدومييه، لوحة مائية ساخرة، تعرض لأول مرة، وتعود لعام 1865، حملت اسم "ما هذا المشهد المخيف"، وتصور ممثلاً تعرض لنوبة هلع أثناء أحد العروض، ويقول القائمون على المعرض إن هذه اللوحة بقيت ضمن ملكية خاصة لأكثر من قرن من الزمن.
وفي وقت سابق من هذا العام، اشتراها جامع للأعمال الفنية يدعى ديفيد لاشنمان من تاجر في أحد المزادات العلنية في فرنسا، وحين سمع عن المعرض، اتصل بالمنظمين، ونسق معهم لعرض اللوحة التي لم يتم إدراجها في الفهرس التوثيقي لأعمال الفنان الصادر عام 1968.
ولد دومييه عام 1808،وعاش سنوات طفولته الأولى في مرسيليا، ثم انتقلت عائلته إلى باريس، تعلم الرسم وأتقن فن الحفر والطباعة، وارتبطت أعماله بتاريخ المرحلة التي عاشها، حيث نقل بؤس الناس وتعاطف معهم.
حياته كانت مليئة بالتشرد، وعانى من الإرهاق المتواصل، وضعف البصر الذي وصل إلى درجة إصابته بالعمى. عاش فقيراً، ولم يمتلك بيتاً في يوم من الأيام، وتوفي في عام 1879 في منزل صديق له في إحدى المناطق الريفية، تاركاً للبشرية إرثاً فنياً وصل إلى نحو مئتي لوحة فنية، وأربعة آلاف رسمة هزلية ساخرة، وألف نقش على الخشب، بالإضافة إلى عدد من التماثيل النصفية.
نقد ساخر
اشتهر دومييه بالرسوم الكاريكاتيرية الساخرة، والتي تنطوي على نقد سياسي واجتماعي وأدبي، وبعض رسوماته جعلته مُلاحَقاً من قبل القانون،وأهمها "غارغنتويا" التي رسمها في عام 1831 أثناء عمله في صحيفة "الكاريكاتير"، وكانت عبارة عن رسم ساخر للملك فيليب لويس.
وهذه اللوحة تسببت بسجنه لستة أشهر، ومع ذلك لم يتخل عن جرأته في نقد نظام الحكم الفاسد، وخاصة بعد المذبحة التي قام بتدبيرها الملك فيليب ضد احتجاجات سلمية جابت شوارع مدينة ليون،والتي راح ضحيتها عدد كبير من المواطنين،حيث رسم لوحة غارقة في الدماء نقلت بشاعة المذبحة.
مسؤولية اجتماعية
تميزت أعماله بالتنوع والعمق، حيث قام بتسخير ريشته لمواجهة الفساد في مرحلة الاضطرابات التي سادت بعد قيام الثورة الفرنسية، وعمل على تصوير الفقر،ووزع دومييه رسومه ضمن مجموعة من السلاسل، وأهمها "الأقنعة، السامريون الطيبون، روبير ماكيبار، البوهيميون في باريس، المحامون ومسافرو الدرجة الثالثة"، كما قام برسم شخصيات شهيرة، مثل فيكتور هوغو وغوتيه في دون كيشوت.
وكان الكاتب فيكتور هوغو قد نظم معرضاً للفنان نال اهتمام المثقفين والنقاد، الذين قال بعضهم إنه فنان طبيعي، وبعضهم الآخر وصفه بالواقعية، وأطلق عليه أحد النقاد اسم "مايكل أنجلو الكاريكاتير".
