فكرة سرد قصة، لإعادة اكتشاف العالم، أو ما يجوب في مكنون الأفراد، لا نقصد بها هنا طرح المسألة نطلاقاً من المفهوم التاريخي المباشر ودوره الاجتماعي والثقافي، وإنما من تجليات القدرة على المزج بين البحث لإثراء مفاهيم الجمال لدى المتلقي من جهة، وجعل سارد القصة أكثر شغفاً وامتناناً لما يود إيصاله من إبداع مبتكر من جهة أخرى، وتحديداً عندما يتعلق الموضوع بقراءة لوحة فنية، تعتنق من حيوية الصمت أدوات تحاكي العقل بتراتيله الحسية والواعية تجاه ما يراه وما يجب أن تؤول إليه نوايا الفنان، صاحب اللوحة.
وبين إفرازات تحليل المشهد الفني، والمتعة البصرية، يبقى اختراع الأسئلة ووضعها في حبكة قصصية الأسلوب الأمثل لتخليدها، وجميعها ممارسات سعى النقاد والباحثون في مجال الفن إلى تنميتها، منهم الروائية والناقدة الأميركية ترايسي شفالير التي أكدت في حديثها عن إشكالية الإصابة بإعياء المعارض الفنية أهمية القدرة على اختيار اللوحة التي تستطيع أن تجعلك قاصاً مذهلاً.
منطقة للبوح
موضوعية الطرح التي أبدتها ترايسي شفالير حول إيجاد القصة داخل اللوحة الفنية أفرزت معطيات جديدة ومساحات أوسع للباحثين في مجال الرسم بأنواعه المختلفة، وكذلك الفنون أجمع، فحديثها عن أساليب الرؤية للوحة ومعايشتها والتحدث معها، خاصةً إذا اختفت بعض مصادر نشأتها، يصبح أكثر تشويقاً، وتصبح صناعة القصة كذلك أكثر تصديقاً على مسامع المتلقي لمفردات اللوحة، مقدمة نماذج عدة أثناء حديثها، ومنها لوحة "الفتاة ذات القرط اللؤلؤي"، أو ما يطلق عليه النقاد "موناليزا الشمال" للرسام الهولندي يوهانِس فيرمير، حيث تبدأ في جعل القارئ يستمد من التجسيد المباشر للصورة، وإيحاءات الخلفية التاريخية للرسام، منطقة أخرى للبوح.
صناعة
تصديق التصور القصصي حول اللوحة الفنية يمثل معادلة نجاح السرد القصصي لها، ما يجعل هدف استمرارية بريق وألق أي لوحة فنية، كامناً في قدرتها على دفع الأشخاص إلى التوقف أمامها وصناعة قصة حولها، وهنا يمكننا الجزم لماذا كل هذه النجومية مثلاً لـ«الموناليزا» وغيرها من الأعمال، ليس لتقنياتها أو فصاحة لغتها البصرية فقط، ولكن لما تخبئه من فضول يفضي بالناس إلى إعادة اكتشافها قصصياً.
تصدر الرواية
الأدب عموماً أسهم في تعزيز هذه الظاهرة بشكل مذهل، إما عن طريق القصة القصيرة أو الرواية الأدبية والشعر والمسرح والموسيقى، وتتصدر الرواية أحد أبرز تلك المصادر، أكد حولها الروائي الجزائري واسيني الأعرج وهو يتحدث عن إحدى رواياته التي لاقت تفاعلاً جماهيريا قائلاً: "هناك دائماً من يتساءل عن اللوحات التي أكتب عنها في رواياتي، أتذكر أن إحدى القارئات أخبرتني بأنها ذهبت لزيارة أحد الأماكن التي أشرت إليها في الرواية، لمشاهدة ما سردته عن إحدى اللوحات، التي في الواقع لم تكن موجودة، ووصفها في الرواية جاء ضمن أحداث الرواية لا أكثر".
معارض تفاعلية
أثرى موضوع الإعياء من المعارض الفنية، وكثرة عدد اللوحات المشاركة في حدث فني، إلى إعادة البحث في منظور الصناعة التفاعلية للعرض الفني، وصعوبة إعطاء حق ما يتجاوز 50 لوحة، على سبيل المثال، في مكان واحد من التريث والقراءة والتنويه، من قبل المتلقي، مشكلاً تحدياً أمام عمومية المعروضـات الفنيـة، وفي المقابل عزز القراءة الانتقائية من قبل المتابعين للعمل الفني.

