بمناسبة مرور 75 عاما على تأسيس المدينة ومرور 10 سنوات على التبادل الثقافي مع الشارقة، دعي الفنان الحروفي السوري خالد الساعي إلى مدينة ولفسبرغ الألمانية، لتنفيذ عملين جداريين في محطة الفن القائمة في محطة للقطار.

وتحوز مشاركة الساعي في هذه الفعالية على أهمية كبيرة كون المدينة لها مكانة في الحقل الفني، إذ درجت على دعوة فنانين مبرزين لإنجاز أعمال فنية ( تشكيل وحروفية). وتتهيأ للفنان المشارك فرصة حيوية لعرض أعماله على شريحة كبيرة من الجمهور، وذلك في موقع يفد إليه الآلاف من المسافرين والمهتمين يومياً( محطة القطار).

«المزاج العربي» فنياً

استغرق الفنان الساعي مدة تقارب العشرين يوماً لإنجاز هذين العملين، اللذين يقارب قياس كل منهما نحو 5 أمتار في 3 أمتار. والعمل الأول مستوحى من قصيدة الشنفرى الشهيرة: «لامية العرب». ورسمها الفنان بالأسود والأبيض. وركز فيها على خط الثلث الذي يعد من أقوى الخطوط العربية وأكثرها تعبيراً عن المزاج العربي الخالص والذي يوازي أصالة القصيدة.

يحكي الساعي عن سبب توجهه لعكس "لامية" الشنفرى في قالب فني تشكيلي، موضحا أن قيمتها الأساسية تتبدى انطلاقا من كونها تتحدث عن القيم الإنسانية النبيلة المشتركة بين الإنسان والذئب..

وكذلك استئناس الحيوانات. والتماهي مع الطبيعة. ويلفت الفنان إلى أن سبب تعمده التوجه إلى هذا الموضوع في لوحاته المشاركة يعود إلى كون المدينة تدعى : وولفسبرغ. ومعناها :حصن الذئاب، أو قصر الذئاب.

مهرجان لوني

أما العمل الجداري الآخر للساعي، فكان مهرجاناً من الألوان والخطوط يستعيد فيها الفنان من مخزون تجربته اللونية الزاخرة. ولاقى العملان استحسانا واهتماما كبيرين. وأُنجز حولهما فيلم وثائقي قصير يصور الساعي أثناء تنفيذهما. وكذا شرحه فكرة الجداريتين. كما حظي الساعي بلقاءات صحافية وتلفزيونية كثيرة، استعرض خلالها أهمية العمل.

كما دعي إلى لقاء رسمي في قاعة التشريفات بالمدينة، التقى أثناءه، محافظ الولاية.

سألته عن تقبل الجمهور الألماني لأعماله ذات الطابع العربي والإسلامي، فقال:" الفن التشكيلي خطاب بصري، وكان هذا المفتاح الأول للدخول إلى قلوب وعقول الجمهور هنا. وعندما لمسوا القيمة العالية للعمل ومستوى حرفية التشكيل وغنى ملامح الغرابة فيه. تولد لديهم نوع من الفضول، فمنهم من كان يدرك أن هذا خط عربي.. وآخرون كانوا يتساءلون ما هذا؟ وكنت أشرح لهم عن هذا الفن.

ومنهم من ذهب يبحث في الانترنت عن هذا الفن وصفاته وتاريخه، ثم كان يأتي في اليوم التالي، ليناقشني بهذا النوع من التشكيل. وكان العمل هو أداة تحريض بالنسبة لهم، خاصة عندما ربطت اسم المدينة ولامية الشنفرى وعلاقته بالذئاب، وكان ذلك بالاستعانة بمترجم يجيد الإنجليزية والألمانية".

ويتحدث الساعي عن السبب الرئيسي لتكليفه بهذا العمل:" شاهد الألمان عملا سابقا لي، هو كبير الحجم، أنجزته في متحف بون للفنون. وهذا كان المفتاح الأولي لتكليفي بهذا العمل. وكذلك أسهم في الامر العمل الثاني الذي رسمته في وولدسبيرغ في معهد اللغات، حيث أقامت المدينة احتفالية كبيرة، حضرها فنانون أوروبيون وشرقيون وآسيويون".

ويتابع: " نظرا لأهمية اللغة العربية وشبيهاتها، مثل الفارسية، اندهش الفنانون الأوروبيون، من بينهم: بول كلي وهرمز وهارتونغ، بهذا التطور الذي طرأ على اللغة العربية وعلاقتها بالتشكيل الحديث، وأيضا جذبتهم ميزة (النسبة الذهبية) فنيا، ذاك خاصة وأن العبقري بيكاسو قال قديماً:( أردت الوصول إلى أقصى نقطة في فن الرسم.

ووجدت أن الخط العربي سبقني إليها منذ أمد بعيد). وعند عملية البحث عن القيمة الخالصة للجمال كبعد دلالي، نتبين أنه مكثف وغني بالرمزية، يتضمن ملامح مثالية لا يمكن أن نجدها إلا بالحرف العربي. وهذا كان منذ 400 سنة، أي عندما تطور الخط العربي".

مسيرة

يشرح خالد الساعي كيفية اكتسابه المهارة الكبيرة في الخط العربي:" خبرتي في مجال الخط، جاءت أولاً من البيت والعائلة. فأنا انتسب إلى عائلة معروفة في مدينة الميادين، بالخط العربي واللغة والموسيقى. وأنا تربيت على هذه الأشياء. فعندما كنت أدرس بكلية الفنون الجميلة أخذت الجائزة الأولى في العالم بالخط الكلاسيكي بطهران". وأسهمت دراستي الاكاديمية للفن، في صقل وتجويد ذائقتي الفنية، بحيث غدوت قادرا على سبر عمق اللوحة وتقنياتها.

كما عززت ذلك دراساتي العليا في المجال.. كما حصلت على منحة إجازة بالخط من مركز أبحاث الفنون الإسلامية في اسطنبول . وجاء هذا تتويجاً للشيء الذي عملت عليه بشكل فردي".

وللساعي رأي في أسبقية العرب في فن الخط العربي، يأخذ فيه اعتبارات عديدة، كالاجابة على تساؤل جوهري مفاده: هل نحن رواد الفن الخط، أم سبقتنا إليه الاتراك والفرس؟

يقول الفنان في هذا الخصوص: " الخط مثل سباق التتابع. بدأه العرب، كالنسخ الثلث والخطوط التقليدية الأخرى. وعقبها انتقل إلى تركيا ومن ثم بلاد فارس.. وهؤلاء أخذوا صيغة واحدة، وهي خط النسخ، وعملوا عليها بقيم معينة أضافوا خصوصيتهم فيها.

وبسبب توهج الحضارة العثمانية توصل هذا الفن إلى مستوى عال. وكذلك في الأندلس عملوا على قيم جمالية تم تطبيقها على القصور والحدائق. بطاقة

 

خالد الساعي فنان حروفي وتشكيلي سوري، خريج كلية الفنون الجميلة في دمشق، حاصل على الدراسات العليا في المجال، لديه إجازة بالخط من مركز الفنون الإسلامية في اسطنبول. قدم أكثر من 32 معرضاً فردياً في شتى أنحاء العالم: المكسيك، أميركا، كندا، الدنمارك، فرنسا، بلجيكا، إيطاليا.

إضافة إلى ألمانيا وتركيا وسوريا، ودول الخليج العربي. نال عدة جوائز، منها: جائزة الحداثة في الخط بينالي الشارقة للخط الدورة الأولى، الجائزة الأولى في مهرجان الخط والزخرفة بالجزائر 2007، الجائزة الأولى بالخط الديواني الجلي في المسابقة العالمية للخط باسطنبول