تتجلى أبعاد جماليات الألوان الزيتية اللامحدودة في عمق وخصوصية العمل الفني من خلال المعرض التشكيلي "أبعاد اللوحة" للفنان الصيني دياو كينغشون الذي أقيم في الأسبوع الثاني من شهر أكتوبر الجاري في غاليري مسرح دبي الاجتماعي ومركز الفنون بمول الإمارات. ويستمد المعرض قيمته الفنية من حرص الفنان على متابعة مسيرة أسلافه من الفنانين الذين يعتبروا أول من استخدم الألوان الزيتية في القرن الخامس والعاشر ميلادية، ليلحق بهم فنانو عصر النهضة في القرن الخامس عشر.
محاور الجماليات
تكمن جمالية المعرض في عدة محاور أولها التعرف على طبيعة مناطق الصين الجبلية إلى درجة يكاد من خلالها الزائر أن يشعر وكأنه يتنفس عبق هواء أشجارها وأزهارها، ويسمع هدير غدرانها التي تتلوى بين الصخور، وفي محوره الثاني، يظهر المعرض ما يمكن أن تقدمه الألوان الزيتية من ثراء يزيد من جمال الطبيعة جمالاً، إضافة إلى التقنية التي تميز بها أسلوب الفنان كينغ والتي توصل إليها قبل عشر سنوات، حيث يدمج بالألوان التي يركبها بنفسه بعض المواد الطبيعية كالرمل والكيماويات، التي تنعكس تفاعلاتها على أرضية اللوحة، لتقدم مشهداً لا يغيب عن الذاكرة مثل سفن حرب جاو بأشرعتها التي تتآكلها النيران والتي دارت في الصين عام 1897.
جبال وأكواخ
جبال خضراء وبيوت وأكواخ تحتمي بأشجارها تطل على الزائر عبر طبيعة وحشية بكر، لا يملك الزائر أمامها سوى الاقتراب من كل لوحة من اللوحات التي تصبح عن كثب مجموعة من المساحات التجريدية اللونية المتمردة الخشنة الملمس التي ما إن يبتعد عنها حتى تعود إليه صورة الطبيعة، مما يزيد من دهشته وإعجابه وبلا تردد يطرح على الفنان سؤاله: "هل تبتعد عن اللوحة عندما ترسمها؟" فيجيب ضاحكاً :"مرات لا تحصى كي يكتمل المشهد التعبيري للصورة التي اختزنها في ذاكرتي". إجابته هذه دفعت للمزيد من الأسئلة التي تتلخص في زيارة الفنان لمختلف المناطق الجبلية في بلده ليقوم لاحقاً برسمها من دفق ذاكرته ومشاعره بأسلوبه التعبيري، ليس هذا فقط بل يباشر بالرسم دون أي مخطط سابق سوى وضعه كتل الصخور والجبال التي يعود لتلوينها.
استمرارية الأسلاف
ويتمتع كينغ في الصين بمكانة بارزة لكونه تابع أسلوب أسلافه في الفن خاصة في عهد سونغ وتانغ بالقرن العاشر وحتى الثالث عشر حيث ازدهر الفن في هذين العهدين في الزمن الذي كانت الصين الامبراطورية الأكثر تقدماً في العالم كما وصفها الرحالة المستكشف ماركو بولو "1254 1324" حينما زارها في نهاية القرن 13.
أما سفنه في محيطات بحر هائج فتعكس عنف الحروب وآثارها المدمرة التي عالجها بتقنية التفاعلات الكيميائية على الألوان حتى يكاد الزائر يشم رائحة الدخان المتصاعد، ويتلمس انصهار المعدن، لتبدو كل لوحة من سفنه بمثابة ملحمة تاريخية تحمل عنف ودمار الحروب.
روح الطبيعة
وتعكس بقية لوحات الفنان، التي تحمل إما جماليات العمارة القديمة في ألمانيا أو إيطاليا أو معبد أنغكور في كمبوديا من عهد امبراطورية خمير في كمبوديا التي ازدهرت خلال الفترة ما بين القرن التاسع والخامس عشر، مهاراته وقدرته على نقل ألوانه من روح طبيعة الصين إلى طبيعة أوروبا فآسيا، ومنها إلى روح دبي لوحة برج خليفه والتي رسمها كما قال قبل زيارته لها من خلال مجموعة الصور التي اختزنتها ذاكرته.
مسيرة كينغشون
تخرج دياو كينغشون من كلية باوتو بتخصص الفن الزيتي عام 1992، وتابع دراساته العليا في التخصص نفسه في أكاديمية سي شوان للفنون الجميلة لمدة عام. ليقدم معرض الفردي الأول "الخريف" عام 1995، وحاز على العديد من الجوائز المحلية والعالمية. وفي عام 2007 كرس فنه لرسم الطبيعة، ليعود إلى دراسة فن الطبيعة في العديد من البلدان الأوروبية كإيطاليا وفرنسا وسويسرا، وليصبح نائب رئيس مجلس إدارة جمعية الفنانين الصينيين.
