من خلال مشاركته في معرض"العرض انتهى"، الذي يستضيفه "غاليري غاغوسيان" في لندن، يأخذ الرسام البريطاني ريتشارد رايت بعض الخطوط الزرقاء في نزهة على الجدران ليحدث أثناء تجواله فوق المساحات البيضاء حالة من التكثيف الجمالي تكشف عن لوحة مائية زرقاء ضخمة تغطي السقف الأبيض لصالة العرض بدرجات لونية متفاوتة وبخطوط متعرجة يراها الناظر تتجه إلى داخل المعرض تارة وإلى خارجه تارة أخرى بحسب مكان وقوفه، وكأن رايت أراد للوحته المعقدة والمفعمة بالأزرق أن تخترق السكون اللوني وتشكل لحظة عابرة في الطلاء.
جمال زائل
سيبقى جمال هذه اللوحة على قيد الحياة خلال فترة المعرض الذي يمتد بين الخامس عشر من أكتوبر الجاري وحتى الثلاثين من نوفمبر المقبل، وبعدها سيوارى خلف طلاء أبيض، حيث إن لوحات رايت غالباً ما تكون قصيرة الأجل يتم رسمها على جدران قاعات المعارض، وعند انتهاء المعرض يعاد دهن الجدار بلونه السابق وكأن الفنان يحاول من خلال تقديمه للجمال سريع الزوال الانشقاق عن أية فكرة سابقة للفن أو الواقع ادعت الحرية التجريبية المطلقة. وصفه أحد أعضاء لجنة تحكيم جائزة "تيرنر" بالفنان الذي يرفض القماش، واعتبر النقاد أن ما يقوم به رايت لا يتسبب في موت لوحاته بل يحررها من كل الأفكار والتأويلات.
هجين فني
يعتمد رايت في أسلوبه الفني على تقنيات تعود للعصور الوسطى فهو يزين المساحات المعمارية بأنماط هندسية مصممة بشكل معقد في محاولة لبلوغ عوالم خفية لا يمكن إدراكها بمجرد النظر إليها بل يتطلب الوصول للب معناها سعياً روحانياً تحفزه فكرة أن ما تقف عليه العين الآن قد لا يكون قابلاً للعرض مرة ثانية، في أي وقت ومكان آخرين.
يستمد رايت موضوعات أعماله الفنية من مصادر متنوعة، حيث تتداخل في لوحاته الخطوط بتعاقب هندسي معقد وتتصادم الأجزاء الباروكية التي يبدعها على الأسقف والجدران مع مجموعة من الاستقراءات المستوحاة من الخط الطبوغرافي وأنماط مشتقة على ما يبدو من عوالم الوشم السرية لتشكل نوعاً من الهجين الفني، وأغلب أعماله تمتلك ميزة التغير المستمر وذلك بحسب زاوية المشاهدة والإضاءة.
معارض
ريتشارد رايت هو فنان بريطاني ولد في لندن سنة 1960، وانتقلت عائلته إلى اسكتلندا عندما كان شاباً، وارتاد هناك كلية ادنبره للفنون (1978-1982) وبعد تخرجه درس في مدرسة غلاسكو للفنون بين عامي1993 و1995 وحصل على درجة الماجستير في الفنون الجميلة، وهو حالياً يعيش في مدينة غلاسكو في جنوب اسكتلندا.
أقام أول معرض فردي لأعماله في "غاليري تراسمشن" في غلاسكو عام 1994، ومنذ ذلك الوقت واصل رايت العرض في جميع أنحاء العالم وعروضه البارزة تتضمن معرضاً في "غاليري تات" ليفربول في عام 2001، معرض دندي للفن المعاصر عام 2004، متحف الفن المعاصر سان دييغو عام 2007.
كما أُدرجت أعماله في العديد من المعارض ذات الشهرة العالمية بما في ذلك متحف الفن المعاصر، سيدني 1997، مانيفستا 2 في لوكسمبورغ عام 1998، معرض الفن البريطاني الخامس ادنبره عام 2000، وجامعة كارنيغي الدولية في بيتسبرغ عام 2008.
نال رايت في العام 2009 جائزة تيرنر الفنية المرموقة في دورتها السادسة عشرة عن لوحته المرسومة على أحد جدران القاعة الثانية لمعرض الفنون البريطاني، حيث تعرض اللوحات والقطع الفنية المرشحة للجائزة السنوية ورسم رايت لوحة تصويرية جصية بلون ذهبي متوهج مستوحاة من هندسة المبنى.
"العرض انتهى"
يضم معرض "العرض انتهى"، الذي بدأ باستقبال النقاد والزوار في الخامس عشر من الشهر الجاري، إلى جانب لوحة رايت أعمالاً مميزة لفنانين كبار أمثال "إد روشا، كريستوفر وول، ستيفن بارينو، ريتشارد برينس، أدم مكوين، دان كولن"، ويدور المعرض حول فكرة التجريد ونفي اللوحة التي ظهرت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية وهو استمرار لموضوعات المعارض التي يقدمها غاليري غاغوسيان مثل "أفكار مجردة" عام 2005، "تحطم" عام 2010 ومعرض"ماليفيتش والميراث الأميركي" سنة 2011 الذي يتتبع الموضوعات الفنية والتاريخية منذ ظهور الحداثة إلى الحاضر.
