أين يمكن أن تكتشف جماليات المسرح؟ وكيف يمكن أن يستمد العرض على الخشبة أبعاده الإنسانية، طريقاً منه إلى العالمية، أو ربما المضي في أفق واقعية المتلقي والمحلية الفكرية.. المخرج الشاب رامي مجدي، لم يكتفِ بسرد فعل الثراء الفني، وإنما مارس جواً مسرحياً نوعياً في إجابته عن الأسئلة السابقة في حواره مع "البيان"، بعد اعتماده كأفضل مخرج في الدورة الثانية لمهرجان الشارقة للمسرحيات القصيرة، حيث حصدت مسرحيته "الواشي" أفضل عمل متكامل، والتي تغنت بالطبيعة الإنسانية المضادة للخوف، وبحثت عن الحل في عمق المعاناة اليومية للمجتمع العربي بإسقاطات الكاتب العالمي برتولد بريخت حول ما خلفه عهد هتلر على الفرد الألماني، حيث يهتف رامي: "رحل هتلر ولازال الواشي باقياً"، مستمداً من الكوميديا، رقصة تقتحم لحظة الألم، وتتبنى موقف التحرر من الموروث الفكري للاضطهاد.

المعرفة

جاء استلهام فعل الثقافة المسرحية ومقاربتها في شخصية المخرج رامي، من خلال الدلالات البصرية واللغوية في عرض "الواشي"، فهو يرى في البحث عن حلول للمعاناة الإنسانية، والتأمل في تأسيس نوافذ للبوح، منطلقات للممارسة المسرحية، والتساؤل الأبرز: هل دراسته في مجال الفلسفة وعلم النفس شكلت سبباً رئيسياً لهذا الالتحام المسرحي؟ أم عمله في مجال ذوي الإعاقات الخاصة؟ لتتمركز الإجابة لدى رامي في مساحات تأويل المعرفة المجتمعية، قائلاً: "في الواقع، أعشق المسرح النخبوي كالعبث والتجريد وغيرها، ولكن هاجس تحقيق معادلة الفرجة المسرحية، ظل أبرز ما يسكنني، وهو قدرتي على الجمع بين المتعة البصرية والقيمة الفنية الهادفة إلى تجدد عهد الجمهور العربي مع المسرح، وأعتقد أن "الواشي" محاولة في هذا الاتجاه، ونتاج تجربة في طور النضج التراكمي".

من دون مجاملات

في منتهى الصراحة، يرى رامي أن إشكاليات المسرح المحلي على مستوى الشباب والهواة، لا تختص بمنطقتنا المحلية فقط، بل تشمل معظم بلدان الوطن العربي، ولكن الاختلاف في مدينة الشارقة على وجه الخصوص، والإمارات عموماً هو آلية البحث عن حلول والتماهي معها عبر برامج وورش عملية، وأن هناك استراتيجية واضحة مليئة بالإيمان وأهمية الوعي بالثقافة المسرحية من قبل دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، والتي تقدم خلاصة التجارب العربية في مكان واحد ضمن بيئة حاضنة، وهذا ما لا يتوفر عربياً، بشكل جاد.

وجمعت مسرحية "الواشي" تناقضات الكوميديا وتجسيد الألم، أرجعها مجدي إلى بحثه الدائم عن النص والسيناريو المسكون بالفكرة، وقال: (ما يشغلني هي الفكرة، ليس الإخراج أو حتى التمثيل نفسه، أستطيع أن أتوقف عن المسرح لفترة، إذا لم أجد ما يستحق أن أثيره للجمهور، وفعلياً كنت أقرأ نص "الواشي"، وأرى الصورة تتشكل أمامي، ووقتها آمنت بأهمية اعتلاء الخشبة، وبدء المغامرة).

السينوغرافيا

في الحديث عن أفرع الأدب الفرنسي في المسرح خصوصاً، تجول رامي للكشف عن حساسية المشهد، ومدى قرب الأدباء الفرنسيين، من ذائقته الخاصة على مستوى القراءة والتناول الفكري، مضيفاً أن للسينوغرافيا جاذبية أقل في مخيلته المسرحية، لا يشعر في صناعتها تفاعلاً نوعياً كالذي يعيشه في إعداد النص المسرحي، يتعب كثيراً في صياغة ما يود قوله عبر الديكور، ولكنه مؤمن بأن للتراكمية دوراً مستقبلياً في احترافه.

وفي خطوة نحو المشهد البصري، يستمد مجدي من الموسيقى روحاً تسهم في دعم ممارسته للمسرح، حيث تمتلك آلة الكمان مكانة خاصة بحسب تعبيره، وهي الأقدر على اختراع أوجه للحياة بمكوناتها الحيوية، ويظهر ذلك جلياً في تجربة رامي الوليدة، من خلال الحرص على تناغم أداء الممثلين كمعزوفة أوركسترا جماعية. وقال حول ذلك: "الثراء والتنقيح والاقتراحات لرفع سوية العمل، جميعها مداخل صحية لإنجاز مسرحية ناجحة، وكثيراً ما أعمل على إضافة شخصيات تعتمد على ممثلين فقط، وبها استهدف ما يخدم فكرة العمل".

«الحب لا يصنع فناً»

 

استوقفت المخرج الشاب رامي مجدي ملاحظة الباحث المسرحي وأبرز المشرفين على النتاجات المسرحية الإماراتية يحيى الحاج "الحب لا يصنع فناً، وما نحتاج إلى تلمسه هو الموهبة الخلاقة" في إحدى الملتقيات الفكرية المسرحية، وأكد حولها: أنه بهذه الروح الواعية للعمل المسرحي سنشهد أسماء مهمة جداً تتدفق إلى المسرح الإماراتي خلال الـ 5 سنوات المقبلة، مضيفاً إنه لا يعتمد على المسرح منهجاً للاحتراف، بل متعة جمالية، في القدرة على تمثيل تجليات الإنسان، وتحويلها إلى عرض حيّ، بغية تحقيق التغير للأفضل.