حين يحرر المبدع كلماته من خلايا الروح، لا يفكر وقتها بأي شيء آخر، ويعيش حينها نشوة الإبداع، ولتثمين هذه اللحظات النادرة، تأسست الجوائز الأدبية تقديرا لما هو متميز من الإصدارات، وتكريما لمن أبدع فيها.
والمتتبع لطبيعة الجوائز يجد أن الجوائز المطروحة في العالم العربي، تزداد سنة بعد سنة، لكن هل استطاعت حقا أن تكون محفزة للمبدع، عادلة في توزيعها، وكيف يمكن النهوض بها كي تصبح أكثر مهنية.
هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها المبدعون الإماراتيون لـ "البيان" من خلال الاستطلاع التالي:
معايير رمادية
رأى الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم في الجوائز أنها مجرد مؤشرات على مستوى الأديب وأهليته لنيل التكريم من الجهات المنظمة لهذه الجوائز. وقال: هذا بالضرورة لا يعني التصنيف القاطع لمستوى الأديب حيث إن التقييم الأدبي الإبداعي والفني يخضع لذائقة المحكمين وانتماءاتهم الأدبية. وفسر أن درجة دقة النتائج لا يمكن أن ترقى إلى دقة التحكيم في المجالات العلمية التي تستند إلى معايير أكثر صرامة وحيادية وبعيدة عن تدخل الذوق الخاص للمحكمين.
وأضاف: لا أظن أن ثمة طريقة أكثر إنصافا من الطرق المأخوذ بها اليوم في مختلف المؤسسات الأدبية حيث إن وجود المنطقة الرمادية يرتبط ارتباطا عضويا بالعمل الإبداعي، وبالتالي لا يستطيع المحكمون الخروج من هذا المجال الرمادي إلى معايير الأبيض والأسود كما في المجالات العلمية.
دافع معنوي
فيما رأت الكاتبة الإماراتية أسماء الزرعوني أن الجوائز دافع معنوي. وقالت: هناك بعض الجوائز تختار الذين ستمنحهم الجائزة، وبالتالي ينالها كتاب لا يعرفهم أحد. وشددت بالمقابل على أن بعض الجوائز تعطى في الكثير من الأحيان (كما ذكرت في إحدى مقالاتي) لمن خزائنهم مليئة بالجوائز، بغض النظر عن التقييم الحقيقي، ورأت أن بعض الجوائز مفصلة على مقاس فلان، وهو ما يفقدها مصداقيتها.
وأوضحت: يظهر هذا بوضوح عندما تمنح هذه الجائزة لشخصيات ثقافية لا أراهم في المجال الثقافي.
وقالت الزرعوني: تؤثر الجوائز في الإبداع أحيانا. وتحفز المبدع بشكل معنوي، وتمنحه الكثير من الدافعية. ورأت: أن هناك أسماء تتكرر أي لمن قلت عنهم خزائنهم مليئة بالجوائز، كما يحدث في الأسابيع الثقافية، حيث تدعي الجهات التي تنظم مثل هذه الأسابيع بشكل دائم أشخاصهم المعروفة لديهم.
وكشفت عن أن مثل هذه الأمور تجعلني لا أفكر كثيرا بالتقديم للجوائز رغم أني أول امرأة في اتحاد كتاب الإمارات، وهذا من 18 سنة، ووجدت التقدير الكبير عند حصولي على جائزة الشيخة شمسة بنت سهيل، في دورتها الأولى في مجال الأدب والإعلام.
ورأت أسماء الزرعوني أن على المحكم أن يراعي ماذا قدم الكاتب وأضاف إلى مكتبة الإمارات أو المكتبة العربية، وأن تمنح الجائزة لأن فلان يستحق فعلا هذه الجائزة، ليس كما يحدث في بعض المؤسسات، لأن الجائزة في المحصلة حافز، وحق للمبدع، الذي ترك بصمته بوضوح.
بين الضبط والحيادية
القاص إبراهيم مبارك قال: تعكس الكثير من الجوائز، اتجاهات لجنة التحكيم التي قد تميل إلى الحداثة أو بعض الجوانب السياسية أو الإقليمية أو لشهرة الكاتب وأوضح: من الممكن أن يكون العمل المقدم من كاتب أقل شهرة أكثر تميزا من غيره.
ورأى مبارك: أن بعض الجوائز تحتاج إلى ضبط في الاختيار، وإلى لجنة محايدة تشتغل على الأدب، بعيدا عن خط معين أو بلد محدد، أو أن تُمنح الجوائز للأسماء المعروفة ويفوز الاسم أكثر من العمل. وأوضح تحتاج هذه الجوائز إلى ضبط أو حيادية بدءا من اللجنة التحضيرية التي لابد أن تضبط الأعمال، إلى جانب وجود آلية محددة للتحكيم.
وأكد مبارك أن الكثير من الجوائز دعائية لبلد من البلدان، أو لمؤسسة من المؤسسات، فبعض المؤسسات قدمت جوائزها لأشهر الكتاب العرب، وكأنها تجري دعاية على أكتاف مبدعين لا يحتاجون إلى جوائز بقدر من يحتاجها ممن يجب تشجيعهم.
وأوضح: حتى الجوائز الصغيرة لا توزع في بلدان أخرى للتعريف بها، فذات مرة كنت محكما في إحدى الجوائز، ووجدت أن كل المتسابقين ينتمون لبلد واحد فأين الآخرين؟ واختتم حديثه مؤكدا: نحتاج إلى الترويج للجوائز وإلى تحقيق الهدف من المسابقة وهو تحفيز الإبداع بتجرد وبعيدا عن الدعاية.
حوافز إبداعية
اعتبر القاص محسن سليمان أن الجوائز من أهم المحفزات للمبدع وتشجعه ماديا ومعنويا، مشيرا إلى أهمية دور بعض المؤسسات الثقافية في إقامة العديد من الورش والأمسيات حتى يكتشفوا عناصر جديدة، مع العلم أن الحضور قليل ونخبوي.
وقال محسن: الإشكالية التي نجدها بعد ظهور أسماء جديدة عن طريق الجوائز أن من حصل على الجائزة يختفي من الساحة. واقترح متابعة الفائزين من الشباب فيما بعد الجائزة عبر عدة طرق مثل إشراكه في عضوية منتسب إلى اتحاد الكتاب، إلى جانب عدة طرق تحفيزية أخرى، مثل إتاحة الفرصة للكتابة في بعض المجلات الثقافية.
لأجل أن يكون حاضرا في المشهد الثقافي. وشدد محسن على أن الأهم هو ما بعد الجائزة وما الذي تفعله هذه المؤسسات من وسائل تحفيزية للفائزين.
تحفيز
عن قدرة الجوائز على تحفيز المبدع قال الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم: "أشك في ذلك، لأن المبدع الحقيقي لا يحتاج إلى جائزة تحفزه، وكل ما تعطيه هذه الجوائز للمبدع هو تقديم الاعتراف والتقدير لما يقدم للمجتمع من جمال مضاف إلى الحياة".
وبالمقابل رأى أن الجوائز تحفز الكتاب المبتدئين ممن لم تنضج تجاربهم الإبداعية بعد وتجعلهم يتنافسون في صقل مواهبهم لنيل جوائز أخرى ترسخ لأسمائهم وتشهرهم بين الناس. ومن خلال تجربته في تحكيم العديد من الجوائز كشف إبراهيم: في مجال الشعر بالذات وجدت بعض الجهات تبقي على أسماء الشعراء وجنسياتهم على أغلفة المخطوطات المقدمة ومؤسسات أخرى تنزع الأسماء وكل ما يشير إلى الشاعر بصلة بقدر الإمكان واعتبر أن هذا أفضل دعما للمصداقية والعدالة.


