عندما ننظر للوحاته في المعارض الفنية، ننجذب لتلك الألوان الخافتة، وإرهاصات الجمال المخيف، أسماه البعض (شيطان)، لما اشتهرت به أعماله الفنية من تمرد واضح في الشكل والمضمون الفني، حيث تتراءى للمتلقي كـ (مارد) يقتلع من قمقمه أسرار وجوده، ويسأل من خلالها : "ما الذي في اعتقادك يستحق البوح، وأنا لا أملك غير الفن مجازاً للتعبير، عن ذاتي ونفسي وربما موطني ومنفاي".

هناك وفي زيارة ميدانية لـ "البيان" إلى منطقة (مصفح) الصناعية في إمارة أبوظبي للاطلاع على مراحل تصنيع مجموعته الجديدة "إلهام من نور"، ينكشف مستور اللغة، ويتعرى الحديث مع الفنان التشكيلي الإماراتي جلال لقمان، وهو يطفئ حرارة ورشته الفنية بأمطار من صدق العلاقة بين الفنان وخاماته المصنوعة من القدرة على جعل العمل الفني موسيقى تردد أنغام هذه الأرض قائلاً: " في أقبح لوحاتي هناك رسائل إيجابية، وفي كفاءة المصداقية هناك ثقة مفقودة بالفنان الإماراتي، وفي أوج السعادة بالمشروعات الثقافية والفنية هناك سؤال: هل سأكون جزءاً من تلك الحفاوة، أما في قمة البحث التوثيقي، فإن هناك إيمانا بأن ما قدمته قليل، فهل من مزيد؟".

المشاكس

يصف لقمان نفسه بـ (المشاكس)، ويعتقد أن قمة الحزن والفرح هي المفتاح الوحيد لصناعة حالة فنية متجددة أطلق عليها الروح الأصيلة، وأنها تمتاز بعدم قدرتنا على استخدامها إلا مرة واحدة، في كل عمل فني، لذلك فإن البحث عن المشاعر والأحاسيس في اعتقاده، يصبح أكثر صعوبة من إيجاد الفكرة وبلورتها نحو منتج نوعي يُضيف للحياة التشكيلية الإماراتية مزيداً من الألق والتميز.

شغله الشاغل استفزاز الوعي لدى المتلقي، ويبدو ذلك جلياً في انتقالاته الفنية بين الرسم والتركيب والصناعات الحديدية، التي يقول عنها: "من الجميل أن يستطيع العمل الفني تحريك المتلقي من منطقة الراحة إلى شغف التفكير".

مقارنة مؤلمة

تُؤلمه المقارنة بين الكفاءة المحلية والأجنبية، قائلاً: "اختلفت أوجه البيئات الفنية في المنطقة المحلية، ولكن لاتزال تحديات الفنان الإماراتي هي ذاتها، وهي ثقة المسؤول بقدراته وإبداعاته ورغباته في المضي قدماً نحو إنجاز رسائل عالمية، تحمل بين طياتها عيون باحثة في المزيج الإنساني، والغريب أن هناك موقفا قياديا وقرارا سياديا بأن تكون الإمارات الحبيبة منارة للحضارة الفنية، وهي دعوة سامية من قبل القائمين على تجسيد الأعوام الأربعين من اتحادنا التاريخي، ولكنها تفتقد لفهم رعاة الفنون لكيفية استثمارها بما يعزز إنتاجات الفنان المحلي، والسؤال لماذا لا تعقد المقارنة دون النظر إلى جنسية ما".

مجموعة جديدة

"إلهام من نور".. عمل فني لم يكتمل بعد، يقع حالياً في أقاصي المنطقة الصناعية من إمارة أبوظبي، يتوارى عن النظر، ويعيش حالة من التأهب القصوى للظهور الجماهيري، كشف لقمان حيثيات قصة مجموعته الفنية الجديدة، من خلال تسرب الكثير من الأخبار المعلنة عن استغلال الكثيرين لقداسة الدين واسم الرب في تأسيس أيدولوجيات الفراغ الإنساني، والبحبوحة المادية بحسب المصلحة السياسية، قائلاً عن النور والإلهام: "مؤلم جداً، ذلك التجنيس لمفاهيم كلمة (الله)، وأبعادها، الإسلام أكثر الأديان المعرضة للظلم والجهل، في الحقيقية، نسجت من النور انعكاسا، وددتُ منه أن يضيء نفوس أصحاب العقول العمياء".

في تأمل تجهيزات "إلهام من نور" تتجلى تراتيل مكنونات لقمان، الذي تحول من الصناعة الفنية، إلى قراءة البيئة الفنية ودورها في الحراك الاجتماعي والثقافي، وهو الذي يصر على أن الفن التشكيلي ممارسة أساسية، عاشها رجل الكهف، وهو يروي قصة حروبه، وأشكال أفراد أسرته.

وهنا تأتي المناقشة حول تفاصيل وعي الجمهور تجاه الأعمال الفنية في عالم التشكيل، والذي يرى لقمان أنها قد سارت في خطوات متقدمة، وببطء رصين.

صعوبات

تتوهج سياسة العمل الاستثماري للفنان الإماراتي اعتماداً على بيع الأعمال الفنية من جهة، وعلى الخبرة الإدارية وتقديم الاستشارات الفنية من جهة أخرى، ومع تلك الإمكانيات، فإن السوق التجاري المحلي بالنسبة إلى لقمان، لا تكفي بحسب العرض والطلب، والسبب يعود إلى قلة ثقة القائمين على أوجه الأشكال الفنية بالكادر الإماراتي.

وبتحفظ كبير، تجد لقمان يتحدث عن صعوبة مشاركة الفنان الإماراتي في الفعاليات الفنية الأضخم في الإمارات، وهي (آرت دبي) و (آرت أبوظبي)، وقال: "صحيح، نشارك في تلك الفعاليات الأبرز في المنطقة المحلية والعربية والعالمية، ولكن بإجراء تحقيق بسيط حول أبرز صعوبات الفنان الإماراتي للمشاركة في تلك الأحداث، سنكتشف الإجراءات والمحاولات الجادة للفنان من أجل الحضور والمشاركة فيها، إضافة إلى المشاركات الخارجية، باعتبارها تمثل الفن في الإمارات، فإن تقنين الاختيارات، وإلغاء المحسوبيات أهم ما نحتاجه".

يستمر لقمان في تحديد معايير مصداقية العمل الفني وارتباطها المحفز للنبش في مقاربة البحث عن التعب في العمل الفني قائلاً: "أنا لا أختلف عن كل الرجال في الإمارات، ولكنني اخترتُ الفن بصعوباته وتحدياته، لأرسل باقة عطاء للعالم بأن إنسان هذه الأرض، رغم كل فرص الحياة المريحة، إلا أنه قادر على صياغة ظروف المعاناة الفنية، وتتويجها بجاهة جمالية.

المتعارف عليه أنني أبو الفن الرقمي في الإمارات، ولكنني بعد ما يزيد عن 20 عاماً من الجَلَد الفني، لا زلت مصراً على أن ما أقوم به ليس سعياً للمادة، بشكل أساسي، بل من أجل لقمان الإنسان من الداخل".

 

مشاكسة الـ (40 درهم)

يكتب التشكيلي الإماراتي جلال لقمان قصصاً، ويتهيأ، حالياً، لإنتاج فيلم سينمائي عنوانه "40 درهم"، مفاجأة جديدة فجرها لقمان وهو يسرد حالات الذروة للأعمال الفنية وأشكالها، واصفاً أنها من نوع الكوميديا السوداء، متحدياً صناع الأفلام، بميزانية تبدأ من الصفر، يستثمر من خلالها عشاق صناعة الأفلام من طلبة كلية التقنية العليا، وهي مشاكسة بحسب تعبيره، مؤمناً أن الفكرة ستنجح لأنها تصب في نهر العطاء الإنساني، قائلاً: "كما قلت مسبقاً لا يهمنا قيمة المردود المادي، بل المهم كم حجراً سنضيف في بناء الحالة الثقافية والفنية".