يشعر الزائر خلال بداية جولته في معرض "ذكريات الدمار" للفنان الإيراني آيدين آغداشلو (1940)، الذي افتتح أول من أمس في غاليري مجموعة فرجام الفنية في مركز دبي المالي العالمي، بالارتباك والحيرة لدى مشاهدته، في الدور الأول، لوحات مرسومة بجماليات أسلوب عصر النهضة تتداعى أمام نظره بعد كشط اللون حيث ملامح الوجه، ويتكرر المشهد مع كل لوحة لتزيد غصة الزائر على أعمال رسمت باتقان وبراعة مع عناية بدقة التفاصيل كحواشي الثوب أو تطريزه.

وبصورة عفوية تستحضر ذاكرة الزائر فيلم "بين" 1997، حيث يجد البطل مستر "بين" نفسه في مأزق بعد تشويه ألوان اللوحة الثمينة عن غير قصد وغياب ملامحها، والمفارقة أن الفنان آغداشلو الذي رسم بحرفية وبراعة بورتريهات لشخصيات نبيلة من القرن التاسع عشر، هو نفسه من دمر لوحاته التي استغرق في انجاز كل منها بضعة أشهر.

تأويلات

هذه الفكرة العبثية أو التدميرية تعكس العديد من المعاني والتأويلات التي ترتبط بالخلفية الثقافية والتاريخية لكل مشاهد، وتطرح تساؤلات تأملية. هل كانت رغبة الفنان في تدمير انجازه من الفن والإبداع تعبيراً عن غياب خصوصية وقيمة الإبداع، سواء بسبب محيط البيئة التي يعيش فيها الفنان التي ترفض التميز أو بسبب نوازع نفسية داخلية. هذه الاحتمالات تقارب ما طرحته الروائية والفيلسوفة الروسية الأصل الأميركية الجنسية آين راند في روايتها "أطلس يتنحى" والتي تتناول فيها فكرة "أبطال الفئة الأولى، وهم الأدمغة المفكرة والمنتجة. أما الفئة الثانية فهي الفئة التي تدين أصحاب الأدمغة والمفكرين والمبدعين الذين يدفعون بعجلة التطور والازدهار الاقتصادي".

إبداع

ينتقل الزائر بنزوله الدرج إلى قاعة العرض الثانية، إلى حالة مختلفة في المزاج، فهنا يعود إلى تاريخ وتراث الحضارات الشرقية وما تحمل من جماليات وإبداع لا يتكرر سواء في الخطوط العربية أو فن الرسم الفارسي، الذي يتحدى الفنان فيها الفنان نفسه مرة أخرى وفي الوقت نفسه رسالته النقدية التي تعكس الاستهتار بتاريخ ومقتنيات الأجداد.

تحدي النفس

أما تحدي آغداشلو، لنفسه في إحدى اللوحات التي رسم فيها صفحة مصورة سبق أن رسمها الفنان الشهير رضا عباسي من القرن السادس، والتي يحاكي في لوحته التي تتوسطها ورقة قديمة في مهب الريح، دقة العباسي المتناهية في الرسم ليستخدم مثله ريشة مصنوعة من شعر رقبة القط، كما تعكس بقية اللوحات خصوصية أسلوبه في فن السريالية والواقعية.

ويُذكر أن هذا المعرض هو المعرض الفردي الثاني لآغداشلو على الرغم من مشواره الفني الطويل، وذلك بسبب صعوبته في الاحتفاظ بعدد كاف من اللوحات، حيث يتابع عدد كبير من المقتنين أعماله لتباع قبل وصولها إلى صالة العرض. سيرة آغداشلو

ولد الفنان آيدين آغداشلي عام 1940 في رشت بإيران حيث يعمل في التدريس الجامعي، إلى جانب كونه فناناً ومؤرخاً وناقداً فنياً. وكان قد عين خلال فترة حكم الشاه من قبل الإمبراطورة فرح بهلوي بمنصب "رئيس الشؤون الفنية لمكتب الشاه الخاص" وتمثلت مسؤوليته في شراء اللوحات التي يرغب الشاه في اقتنائها من آندي وارهول إلى بابلو بيكاسو وكلود مونيه.

اهتم آغداشلي في بداية مشواره بفن النهضة وبالأخص لوحات الفنان ساندرو بوتيشلي، ودرّس نفسه أسلوب الأخير بمحاكاة لوحاته بأدق تفاصيلها. وهذا الاهتمام الكبير دفعه لانتاج أعمال المعرض الحالي التي رسمها في بداية السبعينات من القرن الماضي، وحتى عام 1979، لينتقل بعدها إلى الفن الإسلامي، والمنمنمات الفارسية.