يعود الزائر لحظة دخوله معرض "99 شيئاً ممكناً في الغيم" للنحات نديم كرم، الذي افتتح أول من أمس في غاليري أيام بمجمع السركال في منطقة القوز بدبي، بصورة تلقائية إلى عالم طفولته المفعم بالخيال والألعاب التي تحيط به أينما تلفت إلى السماء أو الأرض أو الجدران، والتي لا يجمعها سوى منطق الطفولة الذي استطاع النحات نديم كرم بمخيلته الفنية أن يبني ما يشبه جزيرة محملة بمطر الأحلام على أرض الواقع، الذي يجمع بين فرح الحياة ومرارتها كما يراها الأطفال في مخيلتهم.
في المعرض الذي يستمر حتى 31 ديسمبر المقبل، يجد الزائر صدىً لذكريات من طفولته المنسية المتدلية حيناً من سماء الصالة كالعربة والمظلة والدراجة والحصان والبالون والكرة واللعبة والسلم والقارب والكوب المرتبط كل منها بذاكرة أضافها الفنان من وحي رموزه التي باتت مألوفة لمن يتابع أعماله الفنية.
بين زمنين
ويوحي هذا الربط للزائر الذي كثيراً ما تأمل في تكوينات الغيوم، بالحنين والألفه، فذاكرته ليست وحيدة في السماء فهي دائماً برفقة ذاكرة الآخر.. الذاكرة المحملة بالزمن الجميل الذي اخترقه بين الحين والآخر واقع الحروب التي شوهت الطفولة، والتي جسّدها النحات في الخزائن المعدنية التي يومض بعضها ببريق الزمن الجميل، حيث تأتي كائنات من عوالم العجائب وتصعد وتنزل بين أرفف الخزائن كعالم "أليس في بلاد العجائب"، مقابل الخزائن التي ينتقل إليها الزائر بعد مروره على خزانة لا يرى في انعكاس معدنها سوى نفسه، ليصل إلى خزائن لا تضم سوى المعدن الصدئ الكامد، والتي تضم أشجاراً محملة بالصواريخ والرصاص بدلاً من الثمار، وكتل من دموع شخوص ينوؤون بحملها.
هانيبال والغيمة
ويتوسط الصالة منحوتتان لزمن السلام والحروب، حيث تمثل المنحوتة الأولى "غيمة تمشي" السكينة بريشها الكثيف الأبيض الذي يتطاير مع النسيم على ساقين رشيقتين كطير النعام مكسوتين بما يشبه السيراميك الأبيض، مقابل منحوتة المحارب القرطاجي "هانيبال والفيل" المصنوعة من المعدن المخرم بالزخارف والذي يرتكز على رأس حربة محاربه غيمة.
أنشودة الحرب
ومن الصالة يعبر الزائر إلى دهليز حملت جدرانه لوحات زمن الحروب بالرماديات والأسود، ليصل إلى صالة أصغر تضم منحوتة أو أنشودة الحرب الذي تهيمن على مساحة فضاء المكان بأكمله، وفيها عذاب الإنسان من انتهاك الآخر لكينونته، فلا يبقى سوى الألم الذي يهيمن على كليهما عبر المعدن الصدئ الذي يتلوى بصدى الصرخات.
حديقة معلقة
ويُطل على الزائر لدى صعوده إلى الصالة العليا على ما يشبه الحديقة، فيها منحوتات معدنية محملة بحيوية الحياة وجمالياتها كإفريز مرتفع من الزهور أو تكوينات لرموزه المرتبطة بكائنات الطفولة المستلهمة من الحصان والفيل وغيرها. عن فكرة ومضمون معرضه وارتباطه بالغيم، قال نديم كرم لـ "البيان": إن "هذا المعرض جزء من مشروعي الكبير الذي أحلم به ويتمثل في "الغيم في دبي" ومن ضمنه منحوتة لغيمة بارتفاع 300 متر تزين سماء دبي الصافية".
نحت المدنية
يمكن التعرف من خلال المعرض، على مضمون مصطلح "نحت المدنية" الذي وصل إلينا في الحقبة الأخيرة. والذي عرَّفه النحات كرم قائلاً: "المنحوتة في المدينة أكثر من منحوتة، فكل منها تحمل حكاية ترتبط بذاكرة المدينة سواء من الزمن القريب أو البعيد. والمنحوتة المدنية في الزمن القريب تحمل في تكوينها هامشاً من إيقاع حياة المدينة".
