ربما حان الوقت بعد رحيل الشاعر شيموس هيني لكي يُعاد النظر في طريقة الحديث عنه في الأوساط الأدبية فبعد أن ظل الناس لوقت طويل يصفونه بأنه أعظم شاعر ايرلندي منذ الشاعر وليم بتلر بيتس. الآن وبعد رحيله يجب أن يقال إن بيتس كان أعظم شاعر ايرلندي حتى هيني.
اتسمت لغته الشعرية بالعنفوان والموسيقى اللغوية واشتملت على العديد من المضامين الإنسانيّة وعلى الرغم من انشغاله بماضي ايرلندا التاريخي وأساطيرها وطقوسها، إلا أنه كان شاعراً معاصراً يعود للماضي في محاولة لفهم الحاضر، وبشكل ما فرضت عليه الأحداث السياسية التي عاصرها أن يكون شاعراً مهتماً بصورة عميقة بالمشكلات السياسية لبلاده وتظهر هذه المشكلات في قصائد «عمل ميداني» (1979) و «جزيرة المحطة» (1984).
شاعر رعوي
ولطالما أكد هيني في شعره على أهمية أن يكون الإنسان هو نفسه بلا تصنع وأن يسير في طريقه الخاص، في الشعر كما في الحياة ومن يتعمق في أسلوبه يلحظ أنه كان محكوماً بنمط الحياة التي عاشها ولعل نشأته في مزرعة في مقاطعة ديري قد حددت عملية تطوره الشعري.
كما وجهت حساسيته الأدبية ليصبح شاعراً رعوياً حديثاً تحتل الأرض ومتعلقاتها الحسيّة مركز عمله الشعري ولفترة من الزمن كانت الصفة المفضلة التي تستخدمها وسائل الإعلام للحديث عن هيني (الترابي) في دلالة تذهب أكثر بكثير من كونها اختصاراً لكلمة (ابن مزارع ) بل كان يُقصد بها ذلك الشخص البسيط، الخشن، الصامد بالرغم من أن وصفه بكلمة ترابي لم يلق قبولاً ممن كانوا في دائرته المقربة إلا إنها حملت القليل من شخصيته.
ولد هيني في مقاطعة ديري في ايرلندا الشمالية عام 1939، بعد حصوله على شهادة في اللغة الإنجليزية من جامعة كوين عام1961، عمل معلماً في إحدى المدارس، ثم عام 1975 عُين في وظيفة بقسم الإنجليزية في كلية التربية في دبلن، حيث كان يدرّب الطلبة على التدريس حتى عام. 1981 في عام 1984 انتخب كأستاذ لكرسي بويلستون للخطابة والشعر في جامعة هارفارد.
صراع جوهري
تُوفيّ هيني 30 أغسطس الماضي عن عمر ناهز 74 سنة في مستشفى في دبلن تاركاً للبشرية أثراً شعرياً هاماً مؤلفاً من 12 ديواناً جمع فيها نفحات من تاريخ بلاده ايرلندا وأساطيرها، وحكايات عائلته الريفية وأحزانها الشخصية.
وأعجب هيني في حياته بكتاب مثل (أوفيد، جويس، ماندلستام) الذين رفضوا أن يتخلوا عن استقلالهم الفني وكان منجذباً لفكرة للواجب، العائلة، القبيلة، الأمة والدين ويمكن القول: إن هذا الولاء كان الصراع الجوهري في حياته وكان همه الأكبر هو البحث عن كيفية العثور على الزمان والمكان لتقديم فنه.
