هاروكي موراكامي ورايو موراكامي روائيان يابانيان لا يمت أحدهما للآخر بصلة، وإن تقاربا في النجاح فقد تباعدا بجغرافية الشهرة ومعايير الأدب، ليتألق اسم هاروكي (1949) في الغرب ورايو (1952) في الشرق.

الروائيان قطبان متنافران جمع بينهما تعدد المواهب، فبينما يشتهر موراكامي في اليابان بـ"مقهى الجاز" الموسيقي الذي افتتحه في طوكيو عام 1973 وحتى 1977 وعشقه للموسيقى، فإن رايو متعدد المواهب فهو مخرج سينمائي لمعظم رواياته، إلى جانب تقديمه لبرامج فنية وحوارية في إذاعة وتلفزيون اليابان، ودوره كمنتج للموسيقى الكوبية.

جوهر الفصل

وإن كان جوهر الفصل في الأعمال الأدبية الزمن والتاريخ، فإن شهرة كلا الروائيين لا يؤخذ بها إلا كمؤشر، فمعايير الأدب الكلاسيكي أو الخالد تختلف عن قوائم الكتب الأكثر مبيعاً.

وعليه فإن تكرار اسم موراكامي في الصحف العالمية منذ خمس سنوات كمرشح لجائزة نوبل للآداب لا يمكن الاستناد عليه، خاصة وأن صناعة التسويق والترويج للكتاب والكاتب تلعب دوراً حيوياً في الزمن المعاصر، آخذين في الاعتبار أن رايو فاز بجائزة "أكوتاغاوا" التي تعتبر أهم وأرقى جائزة أدبية في اليابان عن روايته "زرقة شفافة تقريباً" 1976، والتي لم يتمكن هاروكي من الفوز بها حتى الآن، وإن وصل اسمه مرتين إلى القائمة الترشيح.

في التباين

وفي حين تألقت شهرة هاروكي في الغرب، وتصدرت أعماله قوائم الكتب الأكثر مبيعا، مع وقوف قرائه في طوابير في احتفالات تواقيع كتبه، فإن معرفة اليابانيين بهاروكي مستمدة من كونه "الكاتب الياباني المشهور خارج وطنه"، ويصفه النقاد اليابانيون، بالياباني الذي يكتب كالأميركيين أو الكاتب الذي لا يفكر في جوهره كياباني.

فإن مجلة غربية أيضاً وهي "التايم" صنفت رايو ضمن الـ 11 فردا ممن يحملون ريادة التغيير في اليابان. ويمكن تلمس هذا التباين من خلال مضمون روايات هاروكي التي يصفها كريستوفر ماركيل أحد الأكاديميين الغربيين الدارسين للأدب الياباني بقوله "سريعة النسيان" على عكس أعمال رايو وفي مقدمتها روايته الأولى "زرقة شفافة تقريباً".

الكثير القليل

وأسوة بأعمال هاروكي التي تتصدر قوائم الكتب الأكثر مبيعاً خاصة في الغرب، فإن روايته الأخيرة "تسوكورو تازاكي عديم اللون، وسنوات حجه" أقرب إلى الروايات البوليسية الشيقة، أما ثلاثيته السابقة "1Q48" التي نشر الجزء الأخير منها عام 2010، فهي وإن كانت تتقارب مع رواية رايو "العالم خمس دقائق من الآن" التي نشرت عام 1994 من خلال حضور عالم بديل.

فإن تجربة كل منهما مختلفة، حيث يتجلى أسلوب هاروكي في التجريب الشيق بكتابة الكثير عن القليل، مقابل أسلوب رايو في التجريب معتمداً على ركيزة عمق المضمون وانعكاسات ثقافة البوب الأميركية الاستهلاكية على المجتمع الياباني كما في روايته "حساء الباذنجان".

هامش الأدب

بعيداً عن عالم الأدب والقوائم الأكثر مبيعاً، ينبغي التنويه إلى أن هاروكي ساهم في إغناء الأدب الياباني من خلال ترجمته للعديد من نتاج الأدب الأميركي المعاصر إلى اللغة اليابانية لكتّاب مثل جون وينسلو إيرفينغ، وكريس فان أولسبرغ، وتيم أوبرين، وريموند كليف كارفر، وريموند ثورنتون تشاندلر.

بالمقابل وصف أحد النقاد رايو بطفل الأدب الياباني غير المتوقع الذي يتناول واقع المجتمع الياباني المعاصر المرتبط بالاقتصاد وانعكاساته على الأجيال المعاصرة، ويتجلى ذلك في العديد من أعماله من ضمنها "أطفال الزوايا المغلقة" و"فاشية الحب" و"الوهم والحب والبوب".

سيرة رايو

ولد الروائي والمخرج الياباني رايو موراكامي عام 1952 ونشأ في منطقة كانت فيها قاعدة للقوات الامريكية حتى بلغ الثامنة عشرة من عمره. تمحورت أعماله حول فلسفة الفردية كحل للخلاص من الإحباط وفقدان الهوية الذي واجه اليابانيين بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية.

ويبين رايو أن التفرد لا يعني التمرد، بل اختيار الأسلوب الشخصي لكيفية مساهمة كل فرد في بناء مجتمعه. ويضم إنتاجه الأدبي مجموعة قصص "اهرب، تاكاهاشي" ونشرت في عام 1985 و"توباز" ونشرت في عام 1988، إلى جانب رواية "كوين لوكر بيبيز" ونشرت في عام 1980 وروايته الأخرى "96" وأيضا "في حساء الباذنجان" ونشرت في عام 1997.

سيرة هاروكي

ولد هاروكي موراكامي في مدينة كيوتو عام 1949، وأمضى معظم فترة شبابه في كوبا، ودرس المسرح في جامعة واسيدا في طوكيو . بدأ بالكتابة عام 1970، واستوحى موضوع روايته الأولى (استمع إلى الريح تغني) التي نشرها عام 1979 من خلال حضوره لمباراة بيسبول. وفازت روايته تلك بجائزة غونزو للكتاب الجدد.

كما حازت روايته الثانية "بينبول" التي نشرها عام 1980 على جائزة دار نشر كوندانشا اليابانية، واتبعها بروايته "مطاردة خاروف وحشي" عام 1982. غادر موراكامي اليابان عام واستقر في الولايات المتحدة، وعمل في جامعة برنستون وغيرها وخلال تلك الفترة كتب كل من "جنوب الحدود" وغرب الشمس" و"حكاية الطائر اللعبة".