تحوّلات المثقف اللبناني منذ ستينيات القرن العشرين، هو موضوع إصدار جديد للإعلامية والكاتبة ثناء عطوي، تحت عنوان "حوارات في المسارات المتعاكسة"، عن بيسان للنشر والتوزيع 2013.

يضم الكتاب تجارب مثقفين جدليين، خرج معظمهم من رحم الحركات القومية العربية والناصرية والبعثية واليسارية، خاضوا في زمن التحوّلات الكبرى، وتنقّلوا من موقع إلى آخر، ومن فكر إلى نقيضه، ومن إيديولوجيات سياسية إلى مواقع دينيــة وغيرهـا.

زمن التضخم

ترى الكاتبة أن المُثقف اللبناني لم يعرف استقراراً على حال، إذ جاء المثقفون في زمن "التضخّم" الإيديويوجي، والحروب المُتناسلة، والتحوّلات البنيوية التي أنتجت صراعات اجتماعية وسياسية وثقافية، وهزائم وانقسامات، حرّضت المثقف على الاستدارة، وعقد تفاهمات مع أنماط من الحكم والسلطة، لم تكن تُمثّله أو كان في خندق المواجهة معها.

غادر الكثير من المثقفين مواقفهم المُعارضة إلى ملاعب السلطة، أو الأحزاب أوالمنظمات الثورية، انزلقوا إلى تموضعات وإلى عِصب وجماعات. استدرجتهم محاولة اختبار فعالية الانتماء إلى النظام الطائفي والكيانية اللبنانية وقضايا إقليمة عدّة، وقدّم بعضهم المسألة الطائفية على قضايا الوطن أحياناً.

اتجاه واحد

وإذ تربط الكاتبة ديناميات هذه التحوّلات بالتطوّرات السياسية التي مرّت بها المنطقة منذ النصف الأخير من القرن الماضي، ترى أنه ما من دافع للاعتقاد أن المثقفين يجب أن يتّبعوا اتجاهاً واحداً أو الاتجاه ذاته، فالأفكار التي يعتنقها المثقف ليست عقائد جامدة، عليه أن يحفظها، خصوصاً وأن غالبية المثقفين الذين تنقّلوا هم من أحزاب يسارية، وتالياً، فإن فكر ماركس هو فكر جدلي، وهو فكر التجاوز والعلاقة ما بين النظرية والممارسة، كما هي فلسفة هيغل التي وضعت حدّاً نهائياً لكلّ تصوّر عن الطابع النهائي لفكر الإنسان وفعله.

تجارب

الكتاب هو عبارة عن استعادة أحداث وطن منذ الستينيات وحتى اليوم، ومناقشة تجارب تسع شخصيات ثقافية وفكرية وسياسية ودينية حاورتها الكاتبة بإسهاب وعمق، وهم: حازم صاغيه، روجيه عساف، فواز طرابلسي، دلال البزري، عباس بيضون، الفضل شلق، السيد هاني فحص، توفيق هندي، محمد عبد الحميد بيضون.

الظروف التاريخية

"حوارات في المسارات المتعاكسة"، هو محاولة لقراءة الظروف التاريخية التي تأثّرت بها بنية المجتمع اللبناني نفسه، وحدّدت خاصية المثقف اللبناني وتموضعاته، وهو مراجعة نقدية لصورة المثقف، خصوصاً بعد تبدّل الخطاب، وشكل الصراع، وتقديس الرموز الثورية والسياسية والدينية، ومُصادرة الحاكم أو الزعيم لدور المثقف وأفكاره، إما استغلالاً أو تهميشاً أوقمعاً.

 إنه محاولة في قراءة النتائج التي وصل إليها المثقفون أيضاً، لجهة الخيبة التي واجهت أحلامهم، وعجزهم عن التغيير، وإسهامهم في إنتاج زعماء أجهزوا على أفق هذا التغيير، والهوية التوليفية التي حملوها، وتمحور تطلعاتهم في نهاية المطاف، حول أفق متّصل ببناء الدولة الديمقراطية الحديثة، دولة المؤسّسات وحقوق الإنسان، دولة التأسيس لواقع لبناني جديد.