لا تولد القصيدة وفي فمها ملعقة من ذهب، بل تأتي من رحم المعاناة، إذ يبث كاتبها الروح فيها بعد عناء، فتلتقط أولى أنفاسها على يديه، ويحرص على ألا تخرج إلى الدنيا إلا وهي في أبهى حلتها، بعد تنقيح وتعديل، وتغيير وتبديل، لتكون ثمرة مواقف وتجارب، وخلاصة دقائق مليئة بالانفعالات، وأيام متخمة بالمشاعر، وأشهُر، أو حتى سنوات، مزدحمة بالتدفق العاطفي الشاعري.
وبهذا تنطلق القصيدة متكاملة العناصر، تنطلق إلى عالم الشعر كالدرة، لتزيد الكون جمالاً وشاعرية وأحاسيس. فما هي حكاية الشعراء مع قصائدهم، ومن أين تبدأ دورة حياتها على أيديهم، وما مصادر إلهامهم؟
استفزاز إبداعي
الحب والجمال والمعاناة، مفردات ذات أرضية خصبة تلهم الشاعر علي الخوار، وتستفز إبداعه، فالحب بكل أشكاله، سواء كان للوطن أو المحبوبة أو غيرهما، يعتبر دافعاً له، والجمال بكل أنواعه وتفاصيله هو المحرك لأحاسيسه، أما المعاناة، فعلى قدر ما تُسكت صوته في أولها، تؤجج انفعالاته ومشاعره للتعبير عن الحالة التي عايشها أو رآها.
والقصيدة بالنسبة للخوار نوعان، وعنها يقول: الأولى تولد ولادة طبيعية، وتكون نتيجة حدث وموقف معين، والثانية تولد ولادة قيصرية، وهي التي أبحث فيها عن فكرة لأكتب، وعادة ما تكون هذه قصائد المناسبات التي أضطر فيها لأرسم فكرة تجبرني على أن أعيش الأجواء وأعبر عنها.
ولا يتوانى الخوار عن مشاورة أصدقائه الشعراء في قصائده، إذ يرجع لتنقيح ما كتب حتى يحصل على درة متكاملة عناصر الجمال، ويقول: مهما كبرت تجربة الشاعر، فأخطاؤه لا تختفي، ولكنها تقل مع الخبرة.
المستحيل
ليس غريباً أن يكون المستحيل مُلهِماً، فكما تبيح الضرورة الشعرية بعض الكسور في الأوزان، يبيح الشعر للشعراء أموراً كثيرة لا يفهمها سواهم، وبالنسبة للشاعر عبدالله الهدية، فالملهِم هو ذلك المستحيل، وتلك الملهمة التي لا تزال روحه معلقة بروحها ولكنها لا تعيش على كوكب الأرض، وهي تلك الأنثى الموجودة التي يستحيل تكرارها، ولكن الأسوار تحول دون الالتقاء بها، وهنا يقول الهدية: لا يعني ذلك أني من دعاة جلد الذات، ولكن القيمة التي تُبقيك في ديمومة البحث تستفزك دائماً لتكتب وتبدع.
قومية عربية
والملهم الآخر للهدية يتمثل في القومية العربية، وعنها يقول: تسكنني تلك القومية دائماً، ويكمل: لا مواسم لدي ولا فصول، فالقصيدة هي التي تفرض نفسها حسب طقوس الحياة والمتغيرات اليومية.
وتستغرق كتابة الهدية لقصائده ما بين دقائق وأسبوع، فـمُعَلَّقته "أبكي ولا أبكي" استغرقت أسبوعاً في كتابتها، أما القصيدة التي استعصت عليه فهي في وصف ملهمته، لأنها مستحيلة في كل شيء، إذ تبقى دائماً فوق حروفه. وعن القصيدة الأقرب إلى نفسه يقول: هي تلك التي تمتزج فيها الوطنية مع روح الحبيبة مع الخيال الجميل.
ويؤكد الهدية أن القصيدة تحتاج إلى التنقيح بعد كتابتها، حتى تكتمل عناصرها، وبعد الانتهاء منها يكون قد امتلك درة جديدة يضعها في صندوقه المملوء بالدرر.
رائحة الشتاء
حين يكون الشتاء ملهِماً، فليس غريباً أن يكون المُلهَم سماءً مملوءة بالأمطار، وهذا حال الشاعرة الهنوف محمد، التي تشم رائحة الشتاء من بعيد، فيتفجر إبداعها بكل غزارة، وتهطل أمطارها على هيئة كلمات ومشاعر، وتقول: أستشعر قدوم الشتاء، وأرتبط معه بعلاقة حب، وأمُر فيه بحالات مختلفة، إذ أدخل في حالة صمت، ويتغير مزاجي كثيراً، وأكون في قمة عطائي.
رقابة ذاتية
وعن المدة التي تستغرقها كتابة القصيدة، تقول الهنوف: ليلة واحدة، ففي لحظة الكتابة أكون رقيبة نفسي، والناقد الأول لذاتي، ولا تتجرأ كلماتي إلا أن تكون نظيفة وأنيقة وصادقة، وقد أكتب بعض القصائد القصيرة جداً في بضع دقائق، وأتأخر بعض الشيء إن كنت أعمل على فكرة معينة أو مجموعة قصائد متتابعة.
وتشير الهنوف إلى أن تراكم الخبرة جعلت من التعديلات أمراً ضرورياً، مؤكدة أن تركيزها بعد هذه الخبرة أصبح على القارئ أكثر من التركيز على الانتهاء من القصيدة.
قصة قصيدة
سنة بأكملها مرت على إحدى قصائد علي الخوار قبل أن تكتمل، فقد كتب أربع أبيات نالت استحسان الملحن إبراهيم جمعة الذي سافر بها فوراً إلى مصر ليلحنها، ويهديها للفنان ميحد حمد ليغنيها، ولكنها لم تكن مكتملة، وحاول الخوار تكملتها والعودة لنفس الحالة التي بدأها بها بلا جدوى، ولكنها اكتملت بعد عناء، فظهر الغضب الشديد في الأبيات الأربعة الأولى، والتسامح في الأربعة الأخيرة، وفازت بلقب أفضل نص غنائي عربي في مهرجان الأغنية بالبحرين عام 1996م.



