برع الصينيون منذ القدم في فن قص الورق وعمل أشكال زخرفية جمالية استُخدمت لأشياء عدة في التزيين وتصميم وحدات الإضاءة، وكذلك استخدمت لتضيف لمسة رفاهية في عالمهم البسيط.
واعتبر قص الورق صنعة المناطق الريفية، حيث يستخدمه الناس في التجهيز لتطريز الملابس النسائية، خاصة فساتين الزفاف وملابس العروس، وتجميل بيوتهم بوضع الرسوم التي توضع على الجدران والشبابيك، لحرصهم على أن يكون في البيت لمسة من الجمال والتميُّز.
قص الورق وسيلة جيدة لامتصاص طاقة أفراد الأسرة في إنتاج أعمال جيدة يستخدمونها في حياتهم، بالإضافة إلى أن هذه الهواية تعزز في نفوسهم فضيلة الصبر وحب الجمال.
لم يقتصر هذا الفن على الصين فقط، بل انطلق إلى مدن عدة في العالم، ولكنه تطوَّر واشتهر وأضيف إليه الكثير على يد الشعب السويسري.
قرية غشتاد
وفي آخر زيارة لي إلى قرية غشتاد السويسرية، تلك القرية الجميلة التي تُعتبر أفضل قرية في العالم، وهي بوصلة للباحثين عن الجمال والاستجمام. لفت نظري انتشار هذا الفن في تلك المنطقة، إضافة إلى كل سويسرا، ويعتبر فناً فلكلورياً سويسرياً إضافة إلى صنع الأقنعة والملابس التقليدية، وأصبح لهذا الفن تاريخ عريق مستمر إلى يومنا هذا.
تعود بدايات هذا الفن إلى عام 1908، حيث بدأ العامل الفقير جوان هاوس وير من بلدة أوبرلاند حياته متنقلاً يبحث عن فرصة للعمل. وكان يقوم ببيع بعض قصاصات الورق التي كان يصنعها من أجل تأمين لقمة عيشه. كان يطوي الورقة السوداء من الوسط ويقصها بأشكال هندسية إضافة إلى الورود والأشكال النباتية. وكان يحصل على أشكال جميلة. وفي العام نفسه الذي توفي فيه جوان وُلد لويس ساوجي، حيث علمه والده كيف يتعامل مع المقص. وأصبحت قصاصات جوان هاوس ويرد هي المدرسة التي سار عليها الفنانون السويسريون.
التناظر
استخدم السويسريون قصاصات خاصة لممارسة هذا الفن، الذي يعتمد بشكل كبير على عملية التناظر في اللوحة، فهو يضيف لها سحراً خاصاً، بينما يتضمن الأسلوب الجيد للقص مناطق كثيفة ومناطق خفيفة في اللوحة، ولكل عمل فني لا بد من وجود إطار مميز يجمع عناصر اللوحة مستوحى من الأشكال النباتية. وتعدّ الشجرة في وسط الرسم أساس انطلاق كل عمل فني أو لوحة. وكان التنافس بين الفنانين السويسريين في أوجه لخلق أشكال جديدة مضافة إلى اللوحة وتبرز مهارة الفنان عندما يكون عمله مشبعاً بالهارموني اللوني.
القص اليوم
في سبعينيات القرن الماضي، ازدهر هذا الفن واعتمد بشكل رئيس على أسلوب الألبين.في هذا العصر بدأ الفنانون بتحديث هذا الفن، وأضافوا إليه الكثير مع حرصهم على الأصالة، وبدأوا يبحثون عن طرق جديدة للتعبير عن هذا الفن، وتم إدخال الطابع التجريدي، إضافة إلى الهندسي التقليدي، وأصبحوا يستخدمون الأوراق الملونة بأساليب عصرية، ما أدى إلى ظهور لوحات تعكس الحياة العصرية اليومية. وكل لوحة تتكلم عن قصة تظهر حياة القرويين ومنازلهم التقليدية الجميلة المصنوعة من الأخشاب، إضافة إلى تسجيل حركة الإنسان وتنقله، وعملية صناعة الأجبان وتربية الحيوانات، إضافة إلى الأشجار والنباتات التي تغمر الريف السويسري.
هذا التطور في الفن لا يقل أهمية عن القديم، لقد أصبح فناً معاصراً، تعرض أعماله في المعارض الكبيرة والمتاحف، إلى جانب التشكيل التقليدي والنحت. كما دخل هذا الفن في أسلوب الإعلان الحديث لإظهار العراقة السويسرية، كما دخل في تصميم الملابس وكذلك في عملية تغليف الجبن والشوكولاته السويسرية. في عام 1986 أنشئت نقابة خاصة لهؤلاء الفنانين ووصل عدد أعضاء النقابة إلى نحو 500 فنان، تقوم بعرض أعمالهم حول العالم، وخاصة في أميركا والصين. فن ريفي
كل زائر لقرية غشتاد السويسرية، يلاحظ انتشار فن قص الورق في كل الفنادق والمطاعم والبيوت. وبسبب تقليدية المباني في هذه القرية، استطاع الفنان السويسري اختزال أشكال الحيوانات والنباتات، وقام برسمها على واجهات البيوت الخشبية، وكذلك على الخزائن القديمة المصنوعة من أجود أنواع أخشاب جبال الألب.

