تعرضت المنشآت والآثار الثقافية بمصر عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير إلى جملة من الأخطار المُحققة، بين محاولات من قبل بعض المُتشددين الدينيين لهدم تماثيل لكبار رموز الفكر، وتمكنهم بالفعل من هدم تمثال عميد الأدب العربي طه حسين، فضلًا عن فلسفة فصائل الإسلام السياسي في التعامل مع الثقافة من منظور ضيق، ما عزز من حجم الإشكاليات التي تواجهها المنظومة ككل.
وعقب أن تمكنت الإرادة الشعبية في 30 يونيو من الإطاحة بالرئيس المعزول د.محمد مرسي من سدة الحكم، عبر خارطة طريق وضعها الجيش في 3 يوليو ضمنت إسقاط مرسي والتأسيس لمرحلة جديدة، تنفس المصريون الصعداء، وخاصةً رموز الفن والثقافة، الذين اعتبروا أن ذلك السقوط يعني غل يد المتطرفين الذين سُمح لهم بتحركات معينة على القطاع الثقافي، ومن ثم عودة القطاع إلى طبيعته بعيدًا عن الفكر المُتشدد، إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث، إذ ظهرت إشكاليات كبرى تعرضت لها المنشآت الثقافية الكبرى، وفي مقدمتها (مكتبة الإسكندرية العريقة).
اعتداء
فمع تنامي موجة الاعتراضات من قبل أنصار الرئيس المعزول ، بلغت تلك الاعتراضات حد الاعتداء على منشآت ثقافية، أبرزها المكتبة الأعرق بمصر بل والعالم كله، وهي مكتبة الإسكندرية، التي تعرضت لهجوم من قبل أنصار المعزول عقب تمكن الأمن المصري من فض اعتصام رابعة العدوية والنهضة، أدت تلك الأحداث إلى تهشيم الزجاجي الخارجي للمكتبة، حتى تمكنت قوات الأمن من فرض سيطرتها منعًا لاختراقها.
ولم تكن واقعة الاعتداء على مكتبة الإسكندرية هي (اللطمة) الوحيدة التي منيت بها المنظومة الثقافية المصرية في سبيل اعتداءات أنصار المعزول على المنشآت الثقافية الحيوية، ففي محافظة المنيا (تقع في مصر الوسطى على الضفة الغربية لنهر النيل) وبالتحديد في مدينة ملوي، تورط أنصار المعزول هناك خلال فعالياتهم الاحتجاجية في أن يحرقوا أحد المتاحف هناك ويدعى (متحف ملوي) والذي يضم 9801 قطعة أثرية ترجع إلى عصور تاريخية متباينة ، وفي محافظة السويس، امتدت يد أنصار المعزول في حملات (الانتقام الجماعي من الدولة) بالاعتداء على كنيسة الراعي الصالح التاريخية والتي يعود عمرها إلى (130 عامًا)، إذ شيدت في العام 1883 ميلادية وتضم أرشيفا تاريخيا تم حرقه بالكامل، في جريمة تُمارس ضد التاريخ المصري والشعب بأكمله.
حماية
ودعا وزير الثقافة المصري د.محمد صابر عرب، جموع المصريين والمثقفين إلى حماية المتاحف والمسارح، قائلًا عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك": تلك المنشآت مملوكة للشعب قبل أن تكون ملكا للدولة، والتي قد تتعرض للتخريب من قبل بعض الجماعات التي تقوم بحرق كل المؤسسات الحكومية لإحداث حالة من الفوضى في البلاد..
ويأتي ذلك في الوقت الذي ناشدت فيه الهيئة العامة لقصور الثقافة جموع المصريين لحماية المنشآت الثقافية من تصاعد أعمال العنف الحالية، كما أن رئيس أكاديمية الفنون د.سامي مهران، قد دعا جموع العاملين بالأكاديمية ومعاهدها المختلفة وجموع الشعب المصري بعمل لجان شعبية؛ لحماية تلك المنشآت الثقافية الحيوية المهمة، وهي نفس الدعوة التي وجهها كذلك رئيس البيت الفني للمسرح فتوح أحمد، مطالبًا بعمل لجان شعبية لحماية تلك المنشآت الثقافية الحيوية المهمة.
استعادة مسروقات
قالت وزارة الدولة لشؤون الآثار في مصر امس إنها استعادت 12 قطعة أثرية من بين نحو 1040 قطعة فقدت من متحف ملوي في محافظة المنيا الجنوبية الأسبوع الماضي بعد اقتحامه من قبل "مؤيدي الرئيس السابق (محمدمرسي) والاعتداء على أفراد الحراسة المكلفة بتأمينه" ووفاة أحدالعاملين بطلق ناري.
وكانت الوزارة أعلنت عن عدم المساءلة القانونية لكل من يعيد أية قطع أثرية تخص المتحف الذي نهبت أغلب محتوياته الأربعاء الماضي بالتزامن مع فض قوات الأمن اعتصامين في القاهرة والجيزة لمؤيدي مرسي .
وقال أحمد شرف رئيس قطاع المتاحف بالوزارة في بيان إن من القطع المستعادة تمثال ارتفاعه 20 سنتيمترا من الحجر الجيرى للمعبود"تحوت" على هيئة القرد جالسا. وتحوت هو إله الكتابة في مصر القديمة وينسب إليه اختراع الكتابة قبل نحو ستة آلاف عام واتخذته جامعة القاهرة شعارا لها ، وأضاف أن من القطع المستعادة ثلاثة تماثيل من الفخار وتمثال من البرونز للمعبود "أوزوريس" ارتفاعهما 25 سنتيمترا و19 سنتيمترا وقطعة مستطيلة من الجص تحمل نقشا للطائر أبيس على هيئة أبي قردان وريشة المعبودة "ماعت" إلهة العدالة في مصر الفرعونية.
اليونسكو تدين
أعربت إيرينا بوكوفا المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم " اليونسكو " عن أسفها للأضرار التى لحقت بالترات الثقافي في مصر مؤخرا ، وعبرت بوكوفا في بيان صحفى صدر عن المنظمة في باريس عن قلقها إزاء ما تعرض له التراث الثقافي المصري من أعمال نهب بالمتحف الوطني لملوى في محافظة المنيا في صعيد مصر وتدمير عدد من دور العبادة خاصة الكنائس والمساجد في مصر العليا والفيوم والقاهرة ، وأضافت المديرة العامة للمنظمة الأممية أنها تدين وبحزم الهجوم على المؤسسات الثقافية فى البلاد وأعمال النهب للممتلكات الثقافية ووصفت تلك الأعمال بأنها أضرار لا تعوض بالنسبة لتاريخ وهوية الشعب المصري .
وطالبت السلطات المصرية بضمان حماية وسلامة المتاحف والمواقع والمعالم الأثرية خاصة الدينية منها..مؤكدة أن اليونسكو على استعداد لتقديم المساعدة الفنية فى هذا الصدد لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية .


