تبقى أعمال عباقرة الإبداع في الأدب والفنون هاجس الأكاديميين والباحثين في كل زمان ومكان، وطالما أتحفنا الإعلام بين حين وآخر باكتشاف جديد إما لنص أدبي أو لوحة تم العثور على إحداهما عن طريق المصادفة أو من خلال بحوث ودراسات وتقصي للمراجع والأصول. وأحدث مفاجأة كشف عنها الإعلام حديثاً هي أن الشاعر والمسرحي ويليام شكسبير (1564 1616) ساهم في كتابة مسرحية "تراجيديا إسبانية" ذات الفصول الأربعة للكاتب المسرحي البريطاني توماس كايد (1558 1594). وهذا الكشف ينفي ما أكده الخبراء والباحثون عام 1602 أن الصفحات الثلاث المكتوبة بخط اليد والتي تشمل 325 سطراً لا تعود لشكسبير.
دلائل تقليدية
وأحدث هذه الهواجس الاكتشاف الجديد الذي يؤكد أن المخطوط المكون من 4 صفحات و325 سطراً الخاص بمسرحية "تراجيديا اسبانية" للمؤلف المسرحي البريطاني توماس كايد التي نُسبت له عام 1602 هي في الواقع لويليام شكسبير. وشكل هذا الكشف ما يشبه الزوبعة في عالم المختصين ومحبي الأدب وأعمال شكسبير، خاصة وأن الأستاذ الأكاديمي والباحث في جامعة تكساس دوغلاس براستر، قدم أدلة قوية اعتمد فيها على الأسلوب التقليدي في التقصي، من خلال مقاربة أسلوب الكتابة والأخطاء الإملائية الواردة في هذا المخطوط وبين تلك الموجودة في المخطوط الوحيد بخط ويليام شكسبير المحفوظ في مكتبة بريطانيا للمخطوطات.
تحليل الكمبيوتر
ويذكر دوغلاس في تصريحه أن الدافع الذي حفزه للمضي في أبحاثه حول المخطوط، هو المقالة التي نشرها الأكاديمي البريطاني براين فيكرز والتي ذكر فيها النظرية نفسها، وإن اعتمد فيكرز في استنتاجاته على الدلائل التي أظهرتها تحاليل تقنيات الكمبيوتر الحديثة، حيث أدخل في الكمبيوتر 400 مسرحية وغيرها من المرحلة ما بين 1580 و1642، حيث تبين أكثر من 100 نص له الأسلوب نفسه في رصف الكلمات والذي يتماشى مع مسرحيات شكسبير وأشعاره. وقال براستر في أحد اللقاءات الصحافية حول أبعاد مصداقية دلائله: "استند الباحثون السابقون في نفي مرجعية النص الإضافي لشكسبير على الأخطاء الإملائية الواردة في النص والجمل الغريبة في تركيبتها، والتي من السهل ارجاعها إلى خطأ في قراءة خط كتابته.
تراجيديا إسبانية
تدور أحداث مسرحية تراجيديا اسبانية التي تقارب من مسرحية هاملت في هاجس الانتقام وحضور شبح الضحية في اسبانيا بعد انتصار جيش الملك الإسباني على مثيله في البرتغال وأسر ابنه الأمير بالثاسازار الذي اعتقله الشابين لورنزو ابن دوق قشتاله وهوراشيو ابن مارشال جيش الملك هيرونيمو. وبهدف إشاعة السلام يقرر ملك إسبانيا تزويج ابنته بيليمبريا من الأمير بالثاسازر. وكان الشاهد على تلك المفاوضات شبح الجندي دون أندريا الذي قتل في المعركة والذي استدعي من العالم السفلي من قبل شخصية الانتقام ليشهد انتقام حبيبته بيليمبريا من الذي تسبب بمقتله. وخلال المفاوضات بين رؤساء الدولتين وترتيبات الزواج تغرم الأميرة بهوراشيو ويتفقان على لقاء سري خارج القصر، لكن الخادم بيرينغانو يفشي سرهما للأمير ولورنزو، ليقوم الأخير بالاتفاق مع الأمير بشنقه سراً في إحدى الحدائق.
ما إن يعلم والده المارشال بخبر مقتله حتى يسكنه هاجس الانتقام ولوثة من الجنون. وحينما يعرف من الأميرة من قتله ويتأكد من مصدر آخر مصداقية روايتها يقرر الانتقام في احتفالات الزفاف، حيث يكتب مسرحية تدور أحداثها في بابل بين فارس وحاكم تركي وتاجر باشا وابنة الحاكم. ويطلب من الأمير ولورنز القيام بدوريّ الفارس والحاكم الذي تقتل الابنة التي تقوم بدورها الأميرة أحدهما ليقوم الباشا بقتل الآخر، يصفق الحضور بعد انتهاء المسرحية ليكتشفوا حقيقة جريمة الانتقام وموت الجميع بعد انتحار الأميرة والمارشال نفسه. وهنا يدرك الشبح تحقيق العدالة الإلهية على يد محبوبته ليعود إلى عالمه مع الأخيار. ويتخلل المسرحية الكثير من المونولجات التي تعالج أفكاراً فلسفية عن الحياة والحب الخالص للأبناء وغيرها من المثل كالحب والكراهية، الظلم والعدالة، الخيانة والجنون.
صدى الاكتشاف
لاقى الاكتشاف ترحيباً كبيراً لدى المختصين خاصة لدى المسارح ودور النشر المتخصصة بأعمال شكسبير سواء في بريطانيا أو خارجها مثل شركة رويال شكسبير التي تطبع كامل أعماله. وقال إريك رامسون الأستاذ الجامعي في جامعة نيفادا برينو والمحرر في الشركة نفسها: "ستتم طباعة مسرحية تراجيديا اسبانية ضمن الطبعة الجديدة من أعمال شكسبير التي كتبها بالتعاون مع آخرين والتي ستصدر في شهر نوفمبر".
