يتحدث عن القصيدة كالهائم على وجه الماء، يرصد في تفاصيل الطبيعة عناوين للموت والحياة معاً، يتوقع من كل تفاصيل المعاني حقيقة أخرى للوجود، مؤمناً بأن الاختيار بين معضلة البقاء والرحيل تكمن في كشف الأسرار التي تصحو في الحواس المطفأة، إنه الشاعر الشاب جمال عبدالله الملا، الذي يستوقف المتلقي منذ اللحظة التي يقرر فيها مداعبة الكون عبر مفرداته في قصائد تستقي من الصوفية أجنحة تنسال من شق الماء وتطير، قصائد يصفها الملا على هذا النحو في اعترافات سريعة، كاشفاً توسد التجربة الحداثية للشعر العراقي في حبر أقلامه الموسومة بالجريان خلف الحكمة الأولى، ومصدر الخطيئة الأولى، في التلاوة الأخيرة للحياة.
تأمل وتساؤل
يمتلك مجموعة شعرية بعنوان "إنسان"، لم يقرر طباعتها ونشرها بعد بين متذوقي القصيدة بسبب إصراره الدائم على أهمية مراجعتها وإعادة النظر في ما يطلقه إلى عنان الساحة الشعرية، قائلأ: "أعهد الكتابة الشعرية منذ 5 سنوات، وبدأت ممارسة طقس نفخ الروح في القصيدة بخصوصية محترف لمفاهيمها في عام 2009، هنا كانت الطفرة في الكتابة، وهنا أيضاً اكتشفت أن التجربة الروحية وسيلة لا يستطيع أحد مجاراتها ما لم يقع بين براثين التأمل والتساؤل حول وحدة الوجود، بالرغم من الأطروحة الشائكة في الموضوع وما تخفي حولها الصدور والعقول، إلا أنها في المنتهى تظل منبعاً مجدداً للفكر وللقصيدة المنشودة".
معنى الشعر
يقول الملا في قصيدة بعنوان: "قريباً" : (قريباً سوف تمضي الروح عشباً، فتختبئ الحدائق في ثيابي).. هنا ربما رؤية للجمال في الرحيل والمضي وربما الموت، يروي فيها الأخير وجهاً آخر للحياة، وبحسب ما ذكر، فإنه متلاحم مع مكنونات الشاعر الراحل محمود درويش في انسيابية تلك التفسيرات لما بعد الموت، قالها درويش في العديد من ابتكاراته الشعرية، منها: " لم يمت أحدٌ تماماً، تلك أرواحٌ، تغير شكلها ومقامها".
ويذكر الملا أسماء نخبة من الشعراء العراقيين الذين تأثر بهم من بينهم عارف الساعدي والجواهري، مبيناً أن معهم بدأ يفرق بين معنى أن يكتب الشاعر في قصيدته (شربت الماء) وبين أن يصفها بـ (قُبلة توسمت النبع).
معادلة الجمال
شارك الملا في أمسية شعرية في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في أبوظبي، وحضر أخيراً في أمسية الوفاء لزايد العطاء، احتفالاً بذكرى رحيل المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في ندوة الثقافة والعلوم، وساهمت الأمسيات، جانب مشاركاته العديدة في المهرجانات والبرامج الشعرية، بتعريف الإعلام والجمهور بتجربة الملا الشعرية، لافتاً إلى أن كتابة الشعر متأصلة بالمعرفة، وأنه يواجه صعوبة في كتابة القصائد المنبرية والتي تعتمد على الحس المباشر في الطرح، لذلك فإن قصيدته الأخيرة عن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إنما هي بحث في روحانية شخصية الراحل الشيخ زايد، وبها يرصد المتلقي معادلة الجمال بين الخيال المطلق والصورة الإنسانية في مضمون القصيدة.
شخصية استثنائية
يصف الملا قصيدة "في ذكرى وفاة زايد"، أن الراحل يمثل أصدق شخصية عربية، وأن المحرك الفعلي لتلك الشخصية وتفاعلها بين تلك الجموع هو العامل الروحي، مشيراً إلى أهمية التفكر في هذه الشخصية الاستثنائية التي خرجت من عمق الصحراء لتأسس حضارة.
وبحث الملا في أشكال عديدة للقصيدة من خلال كتابته للقصيدة العمودية والتفعيلة، موضحاً أن الشاعر دائماً يبحث عن ما يتكامل مع مخزونه اللغوي الهائل. وقال الملا في قصيدة "خطيئة": جسد أنا، تغفو الخطيئة في جنوب دمي، و أخاف أن تصحو بيوم غائم، و أخاف أن تغفو طويلا..، ثم أنسى أنني رجل على قيد النساء!!".
إهداء
حملت مجموعة جمال الملا الشعرية عنوان: "إنسان"، مقدماً الملا للقراء في إهداء المجموعة دعوة خاصة قائلاً فيها "لقد تم وضع اسم ما على الغلاف بقلم الرصاص، أريد منكم أن تمحوه، لأنه مجرد صنم وعليك أن تحطمه! حتى تترقى مع الأسماء التي تراها بدائل في إبحارك الروحي"، مسترسلاً في صياغة الحكمة الأولى في قصائده قائلاً: " لا وجه للمرآة، بل لا وجه لي، تلك الحقيقة، والحقيقة مرهَقة!"، بينما كتب في تراتيل قصيدة "تلاوة": "فمن سيتلو لأفلاك المدى قمرا، ليعبر النور، قرآنا على كبدي!".
