شهادات عدة رصدتها «البيان» خلال زيارات ميدانية إلى مقاه ثقافية ومؤسسات متحفية، حول دور تصميم الديكور الداخلي في إحداث تفاعلية بين زائر المواقع الثقافية وبين ما تقدمه تلك المنصات من منتجات معرفية وتاريخية واجتماعية أصلت جمال اللغة البصرية في قدرتها على إقناع المشاهد.
بأن الفنون بأشكالها تتماهى مع لغة الفراغ والضوء واللون في المكان وتجسد لحظة تاريخية لمفاهيم الثقافة الجمالية باعتبارها سوقاً استثمارية تنحسر غالباً في منظومة خصوصية توجه الفنانين، بينما يرى فيها أصحاب الجهات المعنية بمزج الثقافة بروح السوق عنواناً جاذباً يحول التفاصيل المادية والروحية للأفراد إلى معرفة فنية.
ثقافة تنموية
توفير الإحساس للفراغ وتزيينه إحدى أهم وظائف الديكور، والذي يشمل الزخرفة الداخلية التي تمثل أسلوباً إبداعياً يتجسد في العديد من أشكال التصميم الداخلي للمكان ومنها طلاء الجدران، والأرضيات والأسقف، واختيار الأثاث والتجهيزات التقنية مثل المصابيح، إضافة إلى تصميم حيز حركي مناسب للوحات والمنحوتات والسجاد.
وفي الآونة الأخيرة، انتشر استثمار فن التصميم الداخلي في نماذج المقاهي الثقافية والمتاحف التاريخية، وبه تجدد النقاش حول دور الفنانين في تعزيز مكانة مشهد المكان في سبيل توفير بيئة ثقافية تنموية.
متطلبات الذائقة
من بين التجارب الناجحة في مجال إثراء اللغة البصرية للمكان ونسجها بدلالات المعروضات الثقافية، ما أنجزته الدكتورة رفيعة غباش مؤسس متحف المرأة في دبي، قائلةً حول ذلك: «كنت حريصة جداً أن يتناسب التصميم الداخلي للمتحف، مع متطلبات الذائقة العامة للجمهور في المجتمع المحلي، وخاصةً جيل الشباب، لأنهم يتذوقون الأشياء من خلال تقنيات تتسم بالمعاصرة وسمة الجذب».
يتضمن متحف المرأة في جزئيات المعروضات أثواباً تقليدية ولوحات فنية، تنسل منها المعلومات التوضيحية بطريقة غير تقليدية، تدعمها لوحات توضيحية مزودة بصور فوتوغرافية، إضافة إلى القسم الخاص بالشاعرة الإماراتية القديرة عوشة بنت خليفة السويدي، والذي استغرق إنجازه نحو 8 أشهر، استمد من الصحراء الإماراتية جدارية فنية دون عليها أجمل ما ناقشته الشاعرة في قصائدها.
التنافسية
في المقاهي الثقافية التجارية، تعددت أوجه الاحتفاء بثقافة المكان وجدلية الصورة الحيّة في مزاجية زائر المقهى، من خلال توفير خدمات الأطعمة الخفيفة، والمشروبات الساخنة والباردة، وذلك لاعتبارات إشعار الزائر بإمكانية شعوره بأن المقهى بيته الثاني، إضافة إلى تخصيص مكتبة مليئة بالكتب النوعية في مجالات الأدب والاجتماع والثقافة العامة.
وفي سياق التنافسية، يحضر ركن مكتبة الأطفال في مقهى «بوك منش» بدبي ومقهى ومكتبة «الأرشيف» في حديقة الصفا بدبي أيضاً، الذي نفذ ديكوره الداخلي مصمم ياباني، ومقهى «بوك منش»، إحدى البيئات التفاعلية، حيث ابتكر على سبيل المثال مقهى «بوك مَنش» مساحة للكبار في وسط المقهى عبر طاولات خصصت للقراءة وتناول الأطعمة، أما بالنسبة للصغار فقد تم إعداد مكتبة متنوعة، يوازيها تنفيذ مجسمات لبيت صغير وسبورة وطباشير وغيرها.
متعة بصرية
يجول في خاطر الكثير من الفنانين المعنيين بالتصميم وتقديم لوحات فنية لإثراء مشهد المكان تحفظات حول الصناعة الفنية المرتبطة بالديكور الداخلي، ويميلون إلى اعتبار خصوصية توجههم لمفهوم الفن، أهم من القيمة التجارية لتنفيذ جدارية أو لوحة فنية أو خطية، مؤمنين أن عملهم في السوق الاستثماري للفن وتعزيز الأماكن بأيقونات بصرية ثقافة ضرورية، إلا أن الحذر من الانجراف نحو استهلاك مكانة القطعة الفنية، يعد أكثر ضرورة، وهي محاور ناقشها الخطاط خالد الجلاف، مبيناً أنه يرسم من أجل ذاته في البداية، وتحويلها إلى لوحة فنية تعلق في الأماكن العامة، إنما يعد استثماراً إيجابياً يخضع لمعيار المتعة البصرية.
انتشار فني
أوضح الفنان والخطاط خالد الجلاف أن أسوأ ما يكلف به هو تصميم لوحة لمكان ما، قائلاً: «هناك من يرسم من أجل الديكور وهناك من يرسم من أجل نفسه»، مشيراً إلى أنه رغم التحفظ الكبير على المزادات العالمية في مجال بيع اللوحات الفنية، وإمكانية تحويلها إلى محطة تُوجه الفنانين للتصميم من أجل الديكور فقط، إلا أنها تسهم في مسألة انتشار الأعمال الفنية، والدخول في تلك المزادات أهم ما يود الجلاف تحقيقه خلال الفترات المقبلة، مستهدفاً التعريف بالفن الإسلامي والخط العربي للعالم.
