"الثقافة للجميع ومن حق الجميع أن ينشر".. رؤية معرفية أثارها، أخيراً، الناشر الإماراتي جمال الشحي، في مختلف الندوات واللقاءات الثقافية، مشكلاً من خلالها جدلاً نوعياً حول أبعاد ممارسة الكتابة الأدبية، واشتراطاتها التقنية.

مفسراً هذا التوجه بكسر قاعدة النخبوية الثقافية، بينما اعتبرها مؤيدو الالتزام بالقيمة التراكمية والتاريخية لكيفية إرساء قواعد المادة الثقافية والأدبية، تسطيحاً لعمق الفكرة في الكتابة، وخطورة نسبية تتيح للكل الكتابة دونما وعي وإدراك بماهية الأشكال الأدبية للتدوين الثقافي.

ويستمر جدل المثقفين حول تطلعات المشروع الثقافي، وغياب الإدارة المعرفية، وصولاً إلى ما يسمى بالسوق الاستثماري للثقافة، متفقين على أن المنطقة لا تزال تواجه أزمة قارئ لا يدرك شغف القراءة باللغة العربية.

استحداث

اعترضت الكاتبة عائشة سلطان على فكرة إتاحة المجال على مصراعيه للنشر، قائلةً: "ترسيخ ثقافة النشر المفتوح، يحمل بين جنباته أضراراً جسيمة على أطر وتقنيات الفعل الثقافي، وتحديداً الكتابة الأدبية، وهل نحتاج إلى نماذج نشر غير تقليدية، كما يفسرها القائمون على تلك التوجهات، لنعمل على استحداث تجربة جديدة في الممارسة الثقافية".

مضيفة أن هناك أدباء شبابا ساهموا ولفترات طويلة في العمل الأدبي الإماراتي، بجهودهم الخاصة، التي ظهروا من خلالها دون أن يكسروا قاعدة الكتابة بعمقها الاجتماعي، ومنهم على سبيل المثال الأديبة مريم الساعدي، لافتةً إلى أنه لولا تقصير مريم خلال الفترة الماضية في موضوع الكتابة، لأصبحت اليوم أبرز الأسماء في المنطقة العربية".

الإدارة المعرفية

"عندما أراهن بأن النشر للجميع، أعني بذلك أن جواز طباعة الكتاب يوازيه القيمة الفنية للمضمون، وفعلياً لا أدري لماذا يكون هناك خوف من النص، ما توصلنا إليه هو أن النشر نخبوي جداً، ومحصور على فئة معنية ضمن أساليب كتابة معينة، ما وددته هو إطلاق فعل الكتابة، واكتشفت أن إحداث بناء ونقلة في النشر المعرفي يحتاج إلى إتاحة المزيد من الفرص".

هنا يستمر جمال الشحي صاحب دار كتاب للنشر، بالتأكيد على لزوم التفريق بين الثقافة والإدارة المعرفية للثقافة، مبيناً أنه خصص لجنة قراءة فنية جّل عملها هو التدقيق على ما ينشر من قبل المؤلفين.

لغة مبسطة

في زحمة إشكالية المتلقي واهتمامه بالقراءة باللغة الإنجليزية، يأتي دور الفضائيات التلفزيونية من ناحية الإقبال على الثقافة وأفرعها في مجموعة من الإنتاجات المحلية، والتي أثرت، بشكل إيجابي، فعل القراءة والمعرفة العامة من مثل برنامج "ما قل ودل " للكاتب ياسر حارب، وبرنامج "5 دقائق مع علي" للإعلامي علي آل سلّوم.

معتبراً الأخير أن النخبوية على مستوى اللغة لعبت أيضاً دوراً أبطأ حركة التفاعل الثقافي من قبل المجتمع، مؤمناً بمبدأ (التبسيط) للثقافة عبر اللغة، قائلاً: "استثمار اللهجة المحلية، ساهم في تحقيق تواصل نوعي مع الثقافة العامة والجمهور، المهم حالياً هو الوصول إلى وعي الجمهور في كيفية ممارسة اللغة، وتطويرها بما يناسب الإيقاع اليومي لأشكال الثقافة وذهنية المتلقي".

إعادة تصدير

جاء رأي الإعلامي علي آل سلّوم، رداً على أطروحات تبناها بلال البدور الوكيل المساعد في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع لقطاع الثقافة والفنون بعدم اتفاقه مع استثمار اللهجة في الإنتاجات الإعلامية والثقافية، باعتبار ذلك أدى إلى التقليل من قيمة اللغة العربية الفصحى.

مبيناً أن هناك ما يسمى بـ "إعادة تصدير" مفاهيم الثقافة في الفضائيات الإماراتية عن طريق الاكتفاء بتحويلها إلى نسخ عربية، لافتاً إلى أن الإعلام لا يزال بعيداً عن الإنتاج المحلي للمادة الثقافية.

أدوات استثمارية

قامت وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع بصناعة أدوات تفاعلية تستثمر المنتجات الثقافية، وبالتالي تصوغ لغة تعاطي جديدة مع المعرفة.

ففي مجال الرسم التشكيلي، تم اعتماد الهدايا الرسمية لمجلس الوزراء في دولة الإمارات، من خلال لوحات فنية لفنانين إماراتيين، أما في ما يخص النشر، فقد خصصت الوزارة مشروعاً أطلقت عليه "إبداعات شابة"، سعت من خلاله إلى تأسيس قنوات شابة في الكتابة الأدبية والمعرفية.

عقلية اقتصادية

 

يبدو أن التفكير بعقلية اقتصادية أهم ما يحتاجه المعنيون بنشر الثقافة والأدب، خاصةً وأن معدل طبع النسخ في منطقة الخليج، بحسب الناشرين، يصل إلى نحو 2000 نسخة تقريباً، يراها المترقبون لفعل النشر عربياً جيدة، ولكنها تعتبر الأضعف، والبحث في وسائل متجددة لتحقيق استثمار أكبر يحتاج إلى عقلية تقبل التغير في مجال النشر والكتابة.