مشهد اللوحة الفنية لتلك السيدة التي ترتمي بين أحضان جدران (السكة)، في إحدى (فرجان) الإمارات قديماً، تتوسده 19 لوحة بورتريه تحت عنوان «وطن» في معرض للفنانة التشكيلية الإماراتية فاطمة لوتاه، والذي أقيم أول من أمس، في ندوة الثقافة والعلوم بدبي،بحضور سلطان صقر السويدي رئيس مجلس إدارة الندوة والدكتور صلاح القاسم مستشار هيئة دبي للثقافة واالفنون والدكتورة موزة غباش رئيسة رواق عوشة الثقافي والاجتماعي،مشكلاً أول معارضها المحلية بتقنية الرسم الرقمي.

 وجاء اللقاء الروحي لتفاصيل المكان واللباس والرائحة والعمق التاريخي للمنطقة، منبعاً للخطوط العريضة لأهم الرسائل الفنية للفنانة عبر لوحاتها الفنية، قائلةً حول آليات رسم اللوحة في معرض (وطن) : «لأكون أكثر قرباً من أهداف جماليات البورتريه، رسمت كل وجه، وأنا مؤمنة بعمق اللقاء الروحي الذي يربطني فيه، صدقوني يستحيل أن تخرج اللوحة بهذه القوة، لو لم أشعر بهذا القرب لشخصيات أعرفها وأخرى ربما صادفتها بين حنايا موطني».

تحدي الفنان

فاطمة لوتاه المتنقلة بين إيطاليا والإمارات، عبر 20 عاماً من التأمل الفكرى لخصائص اللوحة، وأبعادها الاجتماعية والثقافية والنفسية، تجدد عهد تلك المعاني الجمالية لقيمة الذائقة الفنية من خلال تجربة الرسم الرقمي، معتبرة أن التحدي هو المحرك الفعلي لتطور أشكال الفن وتنوعه في عمق الفنان، وسبيله لابتداع محاور حراك التكوين الفني في الرسم والصورة البصرية ذات الدلالة الإنسانية بسماتها وصفاتها المتشكلة في تركيب مجتمعي منظم. وأكدت فاطمة أثناء شرح اللوحات أن صناعة الجمال وإيصاله للمتلقي هما التفسير الموضوعي لمقاربة التراكم الفني والتشكيل الثقافي للمفاهيم في الحياة.

استشفاف

حضرت عدة شخصيات وطنية في لوحات فاطمة من بينها شخصية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراهم، وجمعيهم اجتمعت فيهم خاصية استشفاف سمة الحكمة في تفاصيل حدود الوجه وتقاسيمه الدقيقة، إلى جانب شخصيات أخرى منهم الشاعر مبارك العقيلي وحسين غباش وأحمد بن حسين لوتاه، إلا أنه لم تحضر شخصيات نسائية معروفة، بل تركز حضور المرأة في العديد من نساء سكن في ذاكرة الفنانة فاطمة أو لامسن روحها الفنية في وقت سابق بحسب تعبيرها.

وأوضحت الفنانة أنها تجيب دائماً على أسئلة المتلقين لأطروحات لوحاتها في الملتقيات العامة، بأهمية الوعي بأن الحالة الفنية للفنان أثناء رسم اللوحة تختلف تماماً عن حالته بعد افتتاحه للمعرض وملاقاته للجمهور، مكتفية بمقولة: "هكذا كان إحساسي وقتها، لا أعلم لماذا ذلك اللون تحديداً، ولماذا تلك الخلفية الغامقة أو الفاتحة، ولكنها تماهت مع إحساسي تجاه المنتج الفني، والحوار الخاص الذي جمعني معه".

حرية مختلفة

في الرسم الرقمي تختلف أشكال ومساحة حرية الفنان عن أنواع الرسم الأخرى، هنا إشارة نوعية للفنانة فاطمة حول طبيعة الالتزام وأشكال الانضباط في الرسم باستخدام التقنيات التكنولوجية، موضحة أن التقنية التي ابتكرتها اعتمدت فيه الرسم على الجهاز المخصص، لافتة أنه لا يشبه بعض التقنيات المستخدمة في وضع الصورة جاهزة وطباعتها من الكمبيوتر، ومن ثم يأتي الرسم عليها لاحقاً.

ولفتت إلى أن (البورتريه) تظل تقنية صعبة، وتحتاج دائماً إلى متسع أكبر لصياغة أبعادها من خلال دراية متكاملة بطبيعة كل شخصية، ما يؤدي إلى أن تتكشف لدى المتلقي بعض أسرار الوجوه في اللوحات، بينما تبقى بعض اللوحات تعيش حالة صمت البوح المباشر عن مكنونها، مضيفة أن هذا لا يعني أن الرسم بالأشكال الاعتيادية، أقل صعوبة، ولكن التعامل معها بحرية أكبر هو وجه الاختلاف، مؤكدة أن زمن إنجاز كل لوحة ارتبط بمدى قوة ودقة تلاحمها مع الشخصيات في اللوحات.

تفاصيل

تباينت أسعار لوحات الفنانة فاطمة لوتاه بين 25 ألف وصولاً إلى 45 ألف درهم بحسب مقياس اللوحة الفنية وزخمها الثقافي، ويستشعر المتلقي القيمة الجمالية الفعلية من خلال مشاهدة التفاصيل في اللوحات، ومنها غطاء الرأس للرجل الإماراتي وغطاء المرأة الإماراتية، الذي يقدم تفسيراً لانتماءات تلك الشخصيات إلى أهل الصحراء وهم البدو تحديداً، وطريقة وضع المرأة لما يسمى محلياً بـ (الغشوة) على وجهها، ونوعية القطعة المستخدمة والتي يكشفها المشاهد للوحة عبر كيفية رسمها، إضافة إلى الألوان في ثوب المرأة التي مثلت الخيوط المستخدمة في صناعة لباس السيدات في الإمارات والذي يطلق عليه (المخورة).