قال الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد إن ثلاثيته الروائية، والتي كان آخرها رواية "الإسكندرية في غيمة" لن يستكملها برباعية؛ حتى يترك الفرصة للقارئ لرؤية الواقع وتحليله، مشيراً إلى أن (الغيمة على وشك الانزياح)، وفي الوقت ذاته أكد أن جماعة الإخوان قد أوشكت على "الرحيل"؛ لأنهم فقدوا تعاطف الشعب معهم. وتناول عبدالمجيد في الحوار أسراراً بشأن طقوسه في الكتابة، وعلاقته بالإسكندرية، فضلاً عن حديثٍ موسع بشأن أعماله الأدبية.
بعض الكتاب لهم طقوس معينة في الكتابة، فما هي طقوسك في الكتابة؟
طقوسي في الكتابة بسيطة جداً، وغير مكلفة على الإطلاق، فأنا أجلس في غرفة مكتبي التي لم تتغير منذ 40 عاماً أستمع إلى الموسيقى في الراديو بدايةً من العاشرة مساءً، ولا أكتب قبل الواحدة أو الثانية صباحاً على ضوء أبيض شفاف، وهنا أدخل في حالة اللاوعي حيث السكون والهدوء، وأشعر حينما أكتب أنه لا يوجد في الكون إلا أنا والله فقط.. وبحكم بيئتي الإسكندرانية، فأنا أنشط إبداعياً في الشتاء أكثر من الصيف.
الطفولة
مرحلة الطفولة أحد أهم المراحل التي تشكل وجدان المبدع.. كيف أثرت هذه المرحلة بتجربتك الإبداعية فيما بعد؟
أنا من جيلٍ أكثرَ حظاً من الأجيال الحالية، والبيئة التي عشتُ فيها كانت تساعد على الإبداع فلا يوجد زحام ولا ضوضاء، وكان نظام التعليم ممتازاً، فكل هذه العوامل ساعدت كثيراً في تكوين مناخٍ صحيٍ؛ لإخراج الطاقات الإبداعية للأطفال.
كيف بدأت علاقتك بالكتابة، وما الذي دفعك لكي تكتب؟
بدايتي مع الكتابة لم تكن تحركها رغبة بل حب للقراءة والكتابة؛ فوالدي كان أزهرياً، وكان يحكي لي قصصاً من القرآن الكريم، وكنت دائماً ألتقي والغرباء يحكون لي قصصاً وأساطير ظلت عالقةً في ذهني. وبدأت تجربتي مع الكتابة في مرحلة الإعدادية، فقد كنت في إحدى حصص المطالعة أقرأ إحدى قصص الأطفال اسمها "الصياد التائه" كانت تتحدث عن صياد خرج، وتاه في الصحراء، وظللت أبكي على هذا الصياد إلا أن أقنعني المدرس بأنها مجرد قصة خيالية، وهنا بدأت أقرأ قصص الأطفال والكبار، واتجهت للكتابة، وكتبت أول رواية في حياتي في المرحلة الإعدادية.
الإسكندرية
الإسكندرية عنصر حاضر بقوة في كتابتك.. فماذا تمثل بالنسبة لك، وهل تؤمن بفكرة المكان المبدع؟
كل مكانٍ مبدعٍ، وله أثر في الكاتب لكن الإسكندرية تتميز عن غيرها من محافظات مصر بأنها ظلت لمدة تزيد على 7 قرون عاصمة العالم الثقافية، الوقت بها كل فلاسفة العالم، وتميزت بالتسامح الشديد بين الأجناس والأديان فالإسكندرية تحمل روحاً "الكوزموبوليتية" أي المكان المفتوح للجميع يتعايشون فيه.
"لا أحد ينام في الإسكندرية" رواية مثلت نقطة فارقة في تجربة إبراهيم عبدالمجيد.. ما الذي يميز هذه الرواية عن مختلف كتابتك؟
الرواية هذه تختلف عن باقي الروايات التي كتبتها بأنها رواية تاريخية عن الحرب العالمية الثانية في الإسكندرية، وهي تختلف عن الشكل المتعارف عليه في الروايات التاريخية؛ فالرواية لم تعتمد على ربط الماضي بالحاضر من خلال إسقاطات تاريخية أو سياسية، فلا يوجد بها أفكار تعبر عن شخصيات معاصرة، بل تعتمد على نقل القارئ إلى تلك الحقبة، وتترك له حرية التقييم..
"طيور العنبر" الجزء الثاني من ثلاثيتك عن الإسكندرية، سلطت الضوء من خلالها على مرحلة "الانفتاح"، ما هي أبرز ملامح التغيير التي رصدتها في تلك الفترة؟
استكملت في هذه الرواية ما بدأته في رواية "لا أحد ينام في الإسكندرية" فالثلاثية اعتمدت على التسجيل الروحي للفترة أكثر من التسجيل السياسي؛ فهي تجسيد لتاريخ مدينة في 3 نقاط تحول كبرى في التاريخ: النقطة الأولى كانت الحرب العالمية الثانية ومعركة العلمين والنقطة الثانية هي "حرب السويس" وهي مرحلة خروج الأجانب، وتحولها إلى مدينة مصرية، ونقطة التحول الثالثة هي تحولها إلى مدينة تسيطر عليها الأفكار الوهابية "المتخلفة"، وهذا بدأ مع بداية عصر السادات، فبدأنا عصر التضييق على الحريات وغلق السينمات والمقاهي وبداية الفتنة بين المسيحيين والمسلمين.
انزياح غيمة
اختتمت الثلاثية برواية "الإسكندرية في غيمة"، فهل ترى أن الغيمة أوشكت على الانتهاء وستعود الإسكندرية إلى ما كانت عليه سابقاً؟
الغيمة على وشك الانزياح، لكنها تحتاج إلى وقت ونضال، والشباب لا يكف عن النضال، وأفعال جماعة الإخوان تساعد على انتهاء الغيمة، وتعجل بسقوطهم، وبالرغم مما فعله عبدالناصر مع الأخوان إلا أنها كانت ردود أفعال لما فعلوه معه رغم ذلك كان هنالك تجاوزات كبيرة في حقهم وفي حق اليسار، وعندما ظهروا على الساحة عرف الناس حقيقتهم فما فعله عبدالناصر ومبارك بهم في سنوات، وأكسبهم تعاطف الناس مسحوه هم في شهور والرواية ستكون ثلاثية، ولن أفكر في إكمالها برباعية؛ حتى أعطي مساحة للقارئ، ليرى الواقع، وربما يأتي يوم تعود الروح الكوزموبوليتية مرة أخرى للإسكندرية، ويكتب عنها أحد الكتاب.
التكنولوجيا
"في كل أسبوع يوم جمعة" تجربة فريدة حاولت فيها تسليط الضوء على التكنولوجيا ما الذي دفعك للكتابة عن هذا العالم الافتراضي؟
"فيسبوك" عالم مختلف عما نعيشه في الواقع، فهو عالم جميع من فيه يلعبون دور الأبرياء لا يتحدثون إلا عما يميزهم فقط، وهذا العالم عالم موازٍ للمجتمع الذي نعيش فيه، ويوجد الكثير من ضحايا هذا المجتمع يهربون إلى هذا العالم؛ نظراً لصعوبة انسجامهم مع المجتمع.
جوائز
حصل إبراهيم عبدالمجيد على العديد من الجوائز الأدبية، لكن أقرب هذه الجوائز إلى قلبه هي جائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأميركية، بينما حصل على أول جائزة وقت أن كان عمره حوالي 22 عاماً من نادي القصة في الإسكندرية، وكانت أول قصة تنشر له قد نشرت في أخبار اليوم في صفحة كاملة، وبعدها جاء إلى القاهرة.

