لم تكن وظيفة المآذن مقتصرة على دعوة الناس للصلاة، بل كان لها وظائف أخرى كأن تكون فنارات للسفن ليلا في المدن الساحلية. هذا ما أكده الدكتور خالد عزب مدير إدارة الإعلام والمشاريع في مكتبة اسكندرية، في محاضرته "المآذن من الوظيفة الإعلامية إلى الدلالة الرمزية" والتي نظمتها هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة وأدارها الدكتور محمد ولد عبدي مساء أول من أمس في منارة السعديات في أبوظبي.

وأشار عزب إلى أن المآذن استخدمت للإرشاد على الهجوم، كونها منارة للعين، وعندما تُشعل النيران في أعلاها يعني تنبيه العاصمة بخطر الهجوم. وقال إن ارتفاع إحدى المآذن إلى 80 مترا، لأجل أن يميز الناس الخطر عندما تشتعل النيران فيها.

المئذنة في الإسلام

وأشار الدكتور خالد عزب إلى أن الآذان هو تكرار الدعوة أكثر من مرة. وقال إن مكة عرفت الآذان قبل الإسلام، ومع انتشار الإسلام، أصبح الأذان مقصورا على وظيفة دعوة الناس إلى الصلاة. وأضاف أن هذا يتم عبر وحدة معمارية وهي المئذنة، ولها دلالة على النداء على المسلمين وإظهار شعائر الإسلام. وأوضح أن المسلمين كانوا يرافقون الرسول "صلى الله عليه وسلم" في حله وترحاله ومع اتساع العمران في المدينة، ظهرت الحاجة إلى النداء للصلاة، في مسجد الرسول.

ونوه عزب بأن المئذنة وردت في كتابات المؤرخين بمصطلحات عدة مثل الصومعة المنارة، الزوراء. وغير ذلك، لكن المستشرقين لم يعرفوا تلك المصطلحات، فاعتقدوا أن المئذنة ظهرت في العصر الأموي.

وأوضح عزب أن الآذان كان يرفع من فوق منزل امرأة من بني النجار، بقرب المسجد النبوي في القرن السابع هجري، وكان بلال يؤذن من فوق هذا المنزل. ولكن المستشرقين لم يعلموا أن أول مئذنة في عهد الرسول كانت في القرن السابع الهجري وكانت اسمها المطمار. وأضاف: "من بعدها توسعت المساجد وخاصة في عهد عثمان بن عفان الذي بنى أربع منارات مربعة الشكل ومرتفعة أكثر من المطمار، وعرفت بالزوراء. لأنها كانت أكثر ارتفاعا. وأشار إلى أنه في عام 1960 كشف عالم آثار عراقي هذه المآذن كأقدم مآذن في العالم الإسلامي".

المآذن عبر التاريخ

استعرض خالد عزب العديد من المآذن عبر التاريخ والتجديد الذي طرأ عليها في العصور التي تلت الإسلام مثل العصر المملوكي وغيره، وتناول مآذن القيروان ومآذن المسجد الأقصى والمسجد الأموي، ومئذنة سامراء الملوية التي تعتبر، كما قال، من أجمل المآذن في العالم، وأوضح أن هذه المئذنة مستوحاة من الزاخورات الإيرانية. لكن الوظيفة مختلفة، وكذلك الزخارف التي نقشت عليها. وقال إن المآذن بنيت بدقة ضمن حسابات هندسية دقيقة. وكانت المآذن تبنى بطريقة تسمع للناس بمشاهدة المئذنة التي قبلها. فمن قواعد البناء عدم حجب المئذنة لأخرى. وتحدث عزب عن الإعجاز الهندسي في بعض المآذن مثل مئذنة مسجد قرطبة في الأندلس.

عمارة المساجد

وتناول تطور عمارة المساجد عبر التاريخ، ونوه بأن مآذن جامع الشيخ زايد مستوحاة من العمارة المملوكية، لكن استخدام الأبيض فيها مستوحى من عمارة مسجد الرسول"صلى الله عليه وسلم".

وتحدث عزب عن المؤذن قائلا: "كان معظم المؤذنين من المكفوفين كي لا يكشفوا حرمات البيوت التي حولهم". وأوضح أنه في كل مئذنة كان هناك فريق يقوم بأعمال الأذان التي كان يجب أن تتم بدقة، وباعتبار أن علم الميقات مهم جدا لأوقات الصلوات، أصبح فيما بعد علما بحد ذاته. وأضاف: "أصبح شرطا على المؤذن أن يعرف بمواقيت الصلوات، وأن يكون عالما بالوقت وحسن الصوت، ويعرف بمنزلة الكواكب ليعلم أوقات الليل". وقال:" وضعت في بعض المساجد ساعة رملية لمعرفة الوقت، وأصبح علم الميقات يدرس في الأزهر الشريف، وأصبح لبعض المؤذنين ،مثل أحمد بن تاج الدمشقي، مؤلفات في حسابات الوقت.

سيرة

خالد عزب حاصل على شهادة الدكتوراه في الآداب الإسلامية، وهو عضو العديد من الجمعيات والهيئات العلمية، مثل الجمعية المصرية للدراسات الإسلامية التاريخية، وجمعية إحياء التراث، وجمعية الآثار والفنون الإسلامية. وأصدر مجموعة من الكتب مثل المدن التراثية في العالم الإسلامي، وغيرها من الكتب والدراسات، كما أشرف على ترميم العديد من الآثار الإسلامية.