نُشرت في الآونة الأخيرة مجموعة كبيرة من الكتب التي تتحدث عن المرأة وقدراتها الفكرية، إضافة إلى تقارير علمية وبحوث اجتماعية في الدور الذي ستلعبه في إدارة المجتمعات والتغيير للأفضل، لذلك تأتي مناقشة ثقافة الصحة النفسية والوعي بمعطياتها جزءاً حيوياً من تحقيق منظومة عمل المرأة، كما أوضح البروفيسور عماد حمدي، استشاري الأمراض العصبية والنفسية، في السهرة الرمضانية التي أقيمت بمتحف المرأة في دبي، أول أمس، بينما أكدت خلالها الدكتورة رفيعة غباش، رئيسة جامعة الخليج العربي سابقاً، ومؤسس متحف المرأة، أن تحقيق الصحة النفسية المتزنة يثير هوس الرجوع إلى الهوية الثقافية، وذلك لما للتنوع الثقافي من دور في إشباع متطلبات الذائقة والاختلاف في بنية النفس البشرية.

أعراض

دارت المناقشة التفاعلية بين جمهور الأمسية والمتخصصين في مجال الطب النفسي حول عدة محاور، أبرزها استثمار قدرات المرأة البيولوجية والعقلية والاجتماعية في تأسيس حالة من الإنتاج المعرفي والتنموي، والذي يؤدي بدوره إلى النهوض النوعي بالمجتمعات، وأشار البروفيسور حمدي أن الاضطراب النفسي مرتبط بأعراض، مثل تكرار السلوك المضطرب وشدته وأشكال تأثيره في العلاقات والعمل، وأنه دونما تلك الأعراض لا يتم عادةً تصنيف الحالة على أنها مصابة باضطراب نفسي، مبيناً أن نسبة إصابة المرأة بالاضطراب النفسي أكثر من الرجل بنحو 40 %، وهي مرتبطة بعدة عوامل، يرجع منها إلى قلة ثقة المرأة بنفسها، وبالتالي فإنها معرضة للقلق بمعدل أكبر، مشيراً إلى أن تعبير المرأة عن اضطهاد نفسي يظل نزاعاً داخلياً، بينما يفسر الرجل اضطرابه النفسي عبر مظاهر خارجية، كالإدمان مثلاً.

عوامل

استثمار القدرات البيولوجية والفروق في تركيب مخ المرأة ودورها في تعزيز تنمية الثقافة المجتمعية بكل أشكالها، جاء ضمن تفسير حمدي لقدرات المرأة العالية في مناطق اللغة، إلى جانب قدرتها على التفريق بين المفاهيم العامة، والتفكير بشكل أقل سلبية من الرجل تجاه العواقب، إضافة إلى استثمارها للأمور المطروحة بحساسية كبيرة تجاه الأشخاص، وهناك عدة عوامل تدخل في تكوين الصحة النفسية، ومنها العوامل الفردية والمجتمعية والنظامية، وعامل الحماية والمرونة.

وفي سياق تساؤلات الجمهور حول دور المرأة التنموي أمام متغيرات المجتمع التي لا تعرقل أحياناً مبادرات المرأة فيها، لفت حمدي إلى أن استمرار المرأة في عملها المجتمعي هو سبيلها الوحيد، مهما واجهت من تحديات، حيث إن التوقف عنه يعتبر خطراً يداهمها ويزيد من نسبة إصابتها بالاضطراب النفسي، مؤكداً أن العمل والتعليم هما الدافع الأكبر للمرأة الإماراتية لوصولها إلى صحة نفسية عالية، وتحديداً غير المتزوجات.

دراسة علمية

أشارت الدكتور رفيعة إلى دراسة علمية أعدّتها حول حالات الإصابة بالاضطراب النفسي في مدينة دبي، والتي تعود إلى عام 1992، مبينةً أن تلك البحوث تقدم تبايناً بين مستوى الصحة النفسية والمتغيرات المجتمعية، قائلةً: "توصلنا إلى أن نسبة الحالات التي على وشك الإصابة بالاضطراب تقدر بـ 17 %، بينما 5.0 % تعتبر حالات أكيدة"، وأضافت أن الصحة النفسية بحسب تقسيم الدكتور مصطفى حجازي يعود إلى البنيوي والوظيفي والانتمائي والإنمائي، لافتةً إلى أنه منذ 20 عاماً، كانت هناك محاولات عديدة لترسيخ فكرة العولمة، أن نكون جميعنا نسخاً متشابهة، والتخلص من الخصوصيات إلى الانفتاح العام، إلا أن تأصيل تكامل الصحة النفسية مرتبط بالتنوع الثقافي، وذلك بالعودة إلى الثقافة الخاصة والذائقة النوعية لكل فرد في مجتمعه وبيئته.

اعتبرت الدكتور رفيعة أن ملء الخواء النفسي المتعلق بعامل الكفاءة القيمية، مهم جداً للوصول إلى صحة نفسية جيدة، مبينة أن غيابه يحدث أثاراًَ خطيرة، لافتةً أنه في علم النفس لا يتم تفضيل دين أو قناعات أو انتماءات معينة، ولكن يتم التركيز على البعد الإنساني للقيمة الاجتماعية والثقافية التي سيجنيها الأفراد من تأمل الروحانيات والاستبصار الكوني عبر النفس البشرية.

 

المتغيرات السياسية

أكد البروفيسور عماد حمدي، استشاري الأمراض العصبية والنفسية، أن ما يعيشه المجتمع المصري من الناحية النفسية هو أزمة مواجهة تطورية، باعتبارها مرحلة تواجه فيها نفسية الفرد الطريقة التي تود العيش بها وما يفرض عليها، قائلاً: "كل مصري يعيش حالة من الصراع الداخلي، ويقع الجدل بين الفردية والتعددية الثقافية وبين القديم والجديد".