ارتبط مفهوم الإنتاج الإنساني في مختلف الأديان والأنظمة المجتمعية في العالم، بالقيمة المقدسة للفعل البشري على الأرض، ويؤمن العديد من المبدعين أن أعمالهم الفنية رسالة تحقق وجوديتهم من ناحية، وترسخ معاني انتمائهم للكون ومعطياته الدافعة للحياة من ناحية أخرى. ويعتبر شهر رمضان وقفة لإعادة تهيئة الذات نحو معاني الخير والجمال، مُشكّلاً متغيراً للبيئة الاجتماعية، وبالتالي دوراً في إثراء الحراك الإبداعي، باعتبار الإبداع مكنون فكري وجغرافي وثقافي.

في استطلاع لـ (البيان) عن تأثير خصوصية شهر رمضان في قلوب المبدعين في مجال الكتابة والمسرح والفن التشكيلي، رأوا أن أجواء رمضان تستدعي يقظة روحية ونشوة تدفعان المبدع إلى الانزواء واستغلال لحظات الصمت والسكون، التي تتكشف تفاصيلها خلال صناعة المنتج الإبداعي في مرحلة الصيام، يرافقه امتداد أكثر نضوجاً بعد انقضاء الشهر، بينما يستثمر مبدعون آخرون تلك اللحظات في مناقشاتهم الفنية وبيان مقومات وآليات مستقبل الفنون والثقافة في الإمارات.

معادلة صعبة

الفنان التشكيلي جلال لقمان، والذي تفرغ للفن ورصد جمالياته عبر التقنية الرقمية، يرى أن تحقيق معادلة الهدوء والسكون من خلال الصيام في رمضان والتفرغ للعبادة، يبقى مهمة صعبة، وذلك يحتاج إلى الكثير من العمل والتركيز، قائلاً: "أتذكر في كل مرة أرتحل فيها إلى الصلاة أجدني أدقق أحياناً على الرسوم الإسلامية المنسوجة على السجادة، أو عند زيارتي للمسجد، أراني أحدق في الخطوط الإسلامية المشغولة على الجدران، وأتساءل كيف تم تقطيعها وتركيبها، لكن سرعان ما أتراجع وأركز على سبب قدومي وهو الصلاة".

موضحاً أن حالة الخشوع والتشتت تعد حالة طبيعية يدخل فيها الإنسان العادي وليس الفنان فقط. والمحاولة للوصول إلى موازنة مُرضية، يبقى أمراً نسبياً، لافتاً إلى أن تغيرات المشاعر تجاه العبادات الدينية تحمل بريقاً خاصاً في نفسه، حيث يؤجل أغلب الأعمال الجديدة إلى ما بعد رمضان، ويصر على جعل هذه الفترة للتعاطي مع مدلولات الكون البصرية وتحقيق النقاء الداخلي والصفاء الذهني.

أمام الحقيقة

امتلأ حديث الأديب عادل خزام عن علاقة الكتابة بشهر رمضان بالشجن والرومانسية الموضوعية، معترفاً أنه يعيش تحدي انتعاش الفكرة وصعوبة كتابتها، مبيناً أن الكاتب يستهل رمضان من عدة نوافذ، تنعكس منها مرايا الأنا والآخر، أولها نافذة القلب الذي ترق فيه المشاعر، وينتج عنه ركود لمياه الذات التي يرى أن الكثير منها بلا معنى، مفسراً أنه يقابل هذا السكون أيضاً بروز لمكنونات فياضة بالنور، والرغبة في تجاوز ما هو عابر وزائل، وأن رمضان محطة إنسانية للعبادة والتأمل والجلوس أمام الحقيقية، ومن بين أبرز المواضيع التي كتب عنها خزام امتثالاً للأجواء الساحرة التي يفرضها رمضان، الزهد والجوع والاعتكاف والخلوة بأبعادها الفلسفية.

هموم فنية

اللقاءات والنقاشات والتجمع اليومي بعد صلاة التراويح، حول المسرح الإماراتي والفجوة المتأزمة لاستيعاب الإنتاج المحلي في المجال، جُل ما يشغل المسرحي إبراهيم سالم في شهر رمضان، قائلاً: "كم هي الفائدة التي نجنيها عند البوح بهمومنا ومدى إمكاناتنا نحن الجيل المسرحي الأول، من خلال تعزيز الوعي لدى شبابنا بأهمية البحث الثقافي، في الحقيقة ميزة رمضان في أنه فسحة أكبر للّقاء، وأفق أوسع لاستثمار مراحل هدوئنا وتأملنا نحو ابتكار وسائل تعزيز مكانة الإنتاج الفني"، مسترسلاً في تحليل مشهد التأمل بالنسبة للفنان، وموضحاً أنها تمثل دراسة لمعايير التطور والنماء على مستوى القدرات الأدائية أو الفكرية الخاصة، وفعلياً كثيراً ما يتيح الشهر الفضيل هذا البعد المعرفي.

سجال

 

اتفق المبدعون في محور طقوس شهر رمضان والحراك الاجتماعي على أن القيمة الدينية تُعد دائماً شعلة مُجدّدة لأشكال الإبداع، متسائلين عن قيمة الإبداع الفني إذا ما افتقد معايير التجانس الروحي والذاتي، وأن هناك الكثير من الإنتاجات تعرف طريقها للنور، عندما يعيش المبدع سجالاً نوعياً بين تطلعاته الشخصية واحتياجاته النفسية والاجتماعية.