تعددت أنشطة استثمار اللهجة الإماراتية في الإنتاجات الأدبية الثقافية والفنية، والتي حقق بها العديد من الروائيين الجدد، وصناع سيناريوهات البرامج التلفزيونية نجاحاً نوعياً، اعتمدت في أسلوب طرحه معيار متطلبات البيئة الاجتماعية والثقافية للمتلقي، فيما رأى باحثون في اللهجات أنها تقنية أسهمت في صناعة لهجة محلية موحدة، نتيجة استثمار مجموعة من اللهجات من منطقة الساحل الشرقي والغربي والمنطقة الجبلية، متحفظين على استخدام اللهجة المحلية في الأدب الروائي، ومشجعين على تعزيزها في اللغة الإعلامية وتحديداً في البرامج الثقافية، ما من شأنه أن يوسع الدائرة الجماهيرية، ويؤسس لبعد تفاعليا على مستوى المعلومة والمعرفة الفكرية.

وأوضح مستثمرو تقنية اللهجة الإماراتية إعلاميا وأدبياً أن مساهماتهم الأدبية عبر اللهجة الإماراتية، إنما هي توثيق لمضامين اللهجة ببعدها التاريخي من جهة، وإشراك تفاعلي للجمهور في تشكيل المادة الإعلامية أو الأدبية من جهة أخرى، وجميع تلك الأطروحات تسير في مسار السؤال عن ماهية القيمة الثقافية التي بمقدور اللهجة المحلية الإماراتية أن ترفد المجتمع بها.

توثيق عبر الأدب

هناك العديد من نماذج الإنتاجات المحلية، ففي مجال الرواية، قدمت الأديبة الشابة آمنة المنصوري رواية: "عيناك يا حمدة"، وبها حبكت تفاصيل الحوارات بين الشخصيات عبر إبراز جماليات القصيدة الشعبية، والمفردة المحلية، كاشفةً ما أسمته بـ "الموروث النسائي"، قائلةً حول تجربتها مع المزج بين اللهجة الإماراتية والفصحى وتحديات انتشار الرواية، ومسألة التوثيق النوعي للغة الحياة:"اندفاعي للكتابة باللهجة المحلية جاء نتيجة شغف خاص بي أولاً، وليس للمشاركة به في مسابقات أو جوائز تشترط الفصحى للتنافس، وفعلياً وددت عبر الرواية توثيق الكثير من المصطلحات المحلية".

دور المعاجم

وأشارت آمنة إلى "أننا نسعى دائما للوصول إلى الآخر عبر لغته، وجاء الوقت لأن نكون نحن الآخر، الذي يجب أن يُسعى إليه"، مبينة أن أكثر من عمد إلى قراءة الرواية ونقدها علميا هم متخصصون عرب، أوضحوا من خلالها اهتمامهم بتفاصيل اللهجة ودراستها وتعلمها،وهناإشارةإلى الاهتمام النوعي من قبل المعنيين بالمنتج الثقافي، مؤكدة أن استثمار اللهجة المحلية في الأدب ساهم في تعزيز استخدامات معاجم وموسوعات الألفاظ المحلية، وتبقى عادة إشكاليات هذه الإنتاجات هي عدم القدرة على ترجمتها.

(فيتامين)

تلفزيونياً، شهد برنامج (فيتامين)، المتخصص في مناقشة الموضوعات الصحية، تفوقاً نوعياً، مستمداً هو الآخر من اللهجة المحلية صياغة تنافسية، أشار حولها مقدم البرنامج الدكتور علي سنجل أن هدفهم يصبو باتجاه الارتقاء بالوعي الصحي في بيئتنا المحلية، وقال: "سعينا للنزول إلى اللغة البسيطة والدارجة لإيصال المعرفة الطبية، لأن إرادة صناع البرنامج تطمح للوصول إلى أهل الإمارات كأولوية، وعمدنا إلى استثمار لهجات أخرى، مشكلين خليطا يسهل أيضاً على المشاهد العربي".

تبسيط المعلومة

وأشار سنجل إلى أنه في الغالب لا يستوعب الأطباء المتخصصين الرسالة الإعلامية وتبسيط المعلومة الطبية، فقد يعتقد الطبيب أن تسهيل المعلومة على المتلقي، إشارة إلى قلة خبرته،وعملياً قام سنجل بإيقاف الكثير من الضيوف في برنامجه، موضحا لهم أهمية استيعاب هذه النقطة، حيث يعمد أحياناً إلى إعادة تفسير بعض ما يتحدث به المتخصصون في البرنامج باللهجة المحلية، مضيفاً أن "فيتامين" مبني أساساً على روح الفريق الواحد، فالمشاهد يشترك في منظومة العرض التلفزيوني، لأنه المعني به، واللهجة هنا تمثل سلاحاً يقودنا لزيادة الوعي الصحي.

متغيرات اللهجة

أهمية اللهجة المحلية في إيصال الرسالة الإعلامية من أبرز المحاور التي ركز عليها الباحث في التراث أحمد عبيد لجهة استثمارها، مبيناً أن هذا الاستثمار يعتمد على الأهداف التي يضعها القائمون على البرامج، وأن العشوائية في استخدام المحليةأمر غير محبذ.

وأكدأن استعمال اللهجة الدارجة في الروايات الأدبية أصبح متداولاً بين الكتابات الشابة، مبيناً عدم اتفاقه مع هذا التوجه، كونه لا يخدم الإنتاجات المحلية للظهور والانتشار، خاصةً وأن اللغة الفصحى لها جمالياتها، مؤكدا أن هناك نوع من الاستسهال في بعض الإنتاجات، التي تهدد أصالة لغة الرواية.

"يفضل دائماً في مجال الرصد الشفاهي، تدوين اللهجة المحلية كما ينطق بها الرواة من كبار السن، حفاظاً على هوية المفردات المستخدمة، ورونق الحالة اللغوية للبحث في الموروث".. هنا يوضح عبيد أهمية الحفاظ على رصد اللهجة المحلية من أفواه الرواة كونها ستمثل مرجعاً للمستقبل التاريخي في المنطقة، وأنه في علم اللغة الاجتماعية، فإن هناك ألفاظا تطورت وأخرى اختفت.

 

لهجة موحدة

أكد الباحث أحمد عبيد أنه أصبح هناك ما يشبه توحيد اللهجة المحلية، صاغه الجيل الجديد بشكل تلقائي، عبر إدخال ألفاظ جديدة توحي بالانفتاح الحضاري للمنطقة، سواء بتأثير مباشر من التكنولوجيا، أو حتى المصطلحات العامة في السياسة العامة للمجتمع، ففي الماضي كان بمقدورنا التمييز بين اللهجة الجبلية والساحلية والصحراوية، أما الملاحظ حالياً هو ذوبانها في لهجة واحدة، لافتاً أن الإعلام والأدب يلعبان دوراً تفاعليا ًفي تحقيق هذا التوجه للمسيرة الحيوية للغة وتطورها.