بدأ الأديب التونسي، محمد علي اليوسفي تجربته شاعراً، وهو ما يفسر تأثره بالشعر في روايته. كما اتجه إلى الترجمة، وأصدر العديد من الكتب المهمة التي أثرت المكتبة العربية،إلى جانب كتابات في الصحافة الثقافية، وذلك منذ أن غادر تونس بغرض دراسة الفلسفة في دمشق، حيث امتدت غربته إلى عشرين سنة،أمضى ثمانية منها في قبرص. وكان لهذا دور في علاقته مع المدن.

«البيان» تقرأ في مضمون تجربة اليوسفي، مستطلعة رؤاه وتوجهاته في حقول الأدب والفكر.

هل أثرت دراستك الفلسفة على كتاباتك ؟

لا شك أن كل ما يمر في درب الكاتب، سيترك أثرا لاحقا في حياته وفي مسيرته الكتابية. والدراسة الأكاديمية سيكون لها الفعل نفسه، لكن بطرق مختلفة، وفق طبيعة الكاتب واختياراته.

ودراسة الفلسفة بالنسبة إلي، كانت هروبا من دراسة الأدب العربي الذي كان يدرس، على أيامنا، بطرق تقليدية. فالأدب كان هواية وقتها. أما اختيار الفلسفة للدراسة، فكان فيه جوانب أخرى مذهلة. فهناك أسئلتها المدهشة التي تعيدنا إلى طفولة الفرد وطفولة الإنسانية. وكذلك احتواؤها على ما يقترب من الأدب ويغنيه. ويبقى الخوف من الفلسفة، إن هي خالطت الأدب، أن تتجاوز النظرة النقدية والزاد المعرفي، إلى إثقال النص بالمعارف وجعله نصا «متعالما».

أوقات خاصة

متى تكتب الشعر أو الرواية؟

لا أستطيع ضبط مثل هذه المواعيد، ولا يمكنني تحديد وقت للشعر وآخر للرواية. كل ما هنالك أن القصيدة تهاجم متى أرادت، بينما الرواية عمل وكد وترتيب و»جلوس» متكرر ومطول، ربما يكون أقل متعة منه عندما يتعلق الأمر بكتابة الشعر. إذن يمكن القول، إن الشعر بروق تأتي بدون مواعيد واضحة، بينما الرواية خطة مع سبق الإصرار والترصد والعمل!

إيقاعات

ظهر في روايتك «شمس القراميد»، تأثرك بالشعر.. كيف مزجتهما، ومتى يجب أن يقف الروائي حين يختلط لديه الشعر بالرواية؟

حاولت أن لا تكون الرواية فاقدة لإيقاعها عبر التركيز على العنصر اللغوي، والشعري تحديدا. ورأيت انه من الأفضل أن تكون الشاعرية متأتية من العلاقات والأماكن والظلال، ومن السلوك. وهذا لا ينفي أن اللغة الشعرية تتدفق تلقائيا، لكن وجود الشعر في رواياتي عائد إلى أنني بدأت شاعرا، ولا أزال.

متى تقرر أن الرواية انتهت؟

هناك علاقات ينبغي أن تنضح، ومصائر يجدر أن تنتهي أو تبدأ، وكذا شخصيات لا بد أن تعود إن هي وعدت بذلك، أو تخلف الوعد لسبب أو حادث ما.

وحتما تكون النهايات، حينها، قد بدأت تتضح وتكون دورة العمل وسيرورتها، قد اكتملت أو وعدت بالاكتمال، فاسحة في المجال لدورة جديدة.

عشت طويلا في دمشق وبيروت وقبرص. أي المدن أثرت بك وهل انعكس هذا على كتاباتك؟

التأثير كان بطريقتين: الكتابة المغتنية بالمكان، والكتابة المستفيدة منه. فالأولى استوحت المكان نفسه، والثانية استفادت منه لتتأمل غيره. وأنا لا أكتب عن مكان إجمالا إلا إذا كنت في مكان آخر غيره. وعلى سبيل المثال، فرواية «توقيت البنكا» وهي رواية تحدثت عن تونس في مجملها، كتبتها في قبرص، ورواية «بيروت ونهر الخيانات» كتبتها بعد حصار بيروت في تونس.

معايير

اخترت مؤلفات مهمة ومتميزة، روائية وفلسفية، ترجمتها للعربية.. ما معايير حكمك في أهلية كتاب ما للترجمة؟

الترجمة رغبة واختيار شخصيان، في الغالب. ومعظم الكتب التي ترجمتها،اخترتها بنفسي. وبعضها توّجته جائزة نوبل بعد ترجمتي له، مثل مؤلفات ماركيز وأوكتافيو باث. وقليلة هي الكتب التي عُرضت عليَّ ووافقت على ترجمتها. لذلك لا أترجم دائما. فأحيانا تكون الترجمة استراحة بين كتابين. . هكذا فإن الكتب التي أجدها تحمل جديدا في الشكل أو في المضمون، وفي الأسلوب إجمالا، تغريني كي أقدمها إلى أصدقائي.

أسباب وملامح

ما الخصوصية الثقافية التي تميز تونس عن دول المشرق العربي؟

ظلت تونس بلاد الندرة من جهة، وسوء توزيع لتلك الندرة من جهة ثانية، فالتعريف بكاتب اسمه محمود المسعدي، على سبيل المثال، استغرق عقودا من الزمن. . تطورت فيها الفنون القريبة من الغرب والمنتجة بدعم غربي، خصوصا في السينما والمسرح وكذلك الفنون التشكيلية. الكتابة الفرانكوفونية وقفت بطرق غير بريئة، في وجه الكتابة العربية.

في عصر التغيرات التي يشهدها العالم العربي، كيف تتصور تفاعل الناس مع الآداب وقراءة المنتجات الإبداعية؟

الكتابات الموجودة حالياً، متسرعة تقبع في فلك واقع متغيّر. ونجد أن المتابع تستهويه الأخبار السريعة. ربما يأتي دور الأدب لاحقاً، بعد النضج والاستقرار.

إضاءة

 

محمد علي اليوسفي. من مواليد باجة التونسية، في العام 1950.

أصدر مجموعات شعرية عديدة، منها : حافة الأرض، امرأة سادسة للحواس.

كتب العديد من الروايات، مثل: بيروت ونهر الخيانات، عتبات الجنة.

أصدر في النقد: أبجدية الحجارة، بيسان برس، نيقوسيا.

ترجم مجموعة من أهم الأعمال الأدبية العالمية، مثل: خريف البطريرك لغابرييل غارسيا ماركيز، المنشق، وهي سيرة نيكوس كازانتزاكيس بقلم زوجته.

حصلت روايته "توقيت البنكا" على جائزة الناقد للرواية - 1992 .