امرأة على مشارف الأربعين، تستيقظ على حياة هاربة لم تعشها، كمن يغفو من سبات عميق، كعادة الأعمال الأدبية، لمواجهة القارئ وصدمه بغير المتوقع من الأحوال، تتداخل الأحداث الواقعية بأخرى افتراضية في رواية "قواعد العشق الأربعون" للكاتبة التركية إليف شافاق، الصادرة 2012، والتي جاءت في 500 صفحة، في قراءة عن العشق والتصوف تراوح بين الماضي والحاضر.
تفاصيل
تتبع الرواية تفاصيل حياة امرأة تبحث عن عمل، ليس من حاجة، تنعم بالاستقرار المادي، زوج وأبناء مراهقون وصغار، تتفانى في خدمتهم، هوايتها الطبخ، عضو في نادي الطهو، مع مجموعة من النساء، تتشابه حيواتهن. كمدققة في وكالة للأعمال الأدبية، لم تبدي حماسة للعمل بداية، وربما ستتراجع ، لولا تشجيع الزوج وإرغامه، للتلميح بحقيقة تتضح فيما بعد لرواية الكفر الحلو.
رحلة المعرفة
لظروف وملابسات العلاقة بين العالم الجليل المهيب جلال الدين الرومي، والشاعر شمس التبريزي، المتصوف الكبير.
يشعر شمس بدنو الأجل، يبحث عمن يعهد إليه بكنوز معرفة يكتنفها صدره، يضمها بين دفتي قلبه ، التي بلغها بعينه الثالثة، منفذه الرؤى والأحلام، رغم أنه لا يحلم كسائر البشر؟ فعندما سلك طريق الله في صغره، في لحظات الاستثنائية لها أهميتها في تشكيل حيوات البشر، تغييرها جذريا، ففي منامه ، ربما صحوه، الرؤى تتكرر، وتتميز بالتكرار والإلحاح.
حيث سيلتقي الرفيق في مكان ما، يصل إلى تكية للدراويش، كبيرهم بابا زمان تصله رسالة من قونية، أن الرومي وإن كان لا ينقصه شيء مما يعتد به البشر، إلا أنه يبحث عمن يملأ فراغه الداخلي.
تشابه شخوص
إيلا بقراءتها الرواية ، تغوص في أحوال نفسها، تتأكد من فراغها الروحي، كجلال الدين، تبدأ بمراسلة عزيز، ويقوم على الفور بالتواصل، مدفوعاً بسبب غامض، ينبع من داخله لايدريه.
يقاطع السرد القصة الحديثة، بتتبع أحوال شخوص السرد عزيز وإيلا، الأبناء، الزوج الخائن. وقديما بتالي الأحداث بين جلال الرومي وشمس، باللقاء بين الإثنين تبدأ جملة المواقف السيئة، الاضطرابات، والاتهامات.
فهناك تشابه بين شمس وعزيز، والرومي وإيلا، فكل منهما يبحث عن الآخر صمتاً، بشكل خاف عن نفسه، وكل منهما يصل للآخر، وكل منهما يفقد الآخر، فأحدهم ذلك القديم سيُقتل، وتتوزع التهمة على الكثيرين، من بينهم ابنه علاء الدين، والآخر وهو عزيز، يموت بعد أن قدر له أن يعيش مع إيلا لعام واحد، فعزيز مصاب بأخبث أنواع سرطان الجلد.
عقبات وقواعد
من أكبر العقبات أمام المرأة في أي مكان، هجر زوجها من أجل آخر، وكأنها تقول بذلك بإنسانية الكون وعالمية الفرد، حيث تحرضك الرواية على القراءة والمتابع، تتلاحق انفاسك، مترقباً، ماذا سيحدث في العالمين القديم يمثله الرفيقان الفذيان، والحديث بممثليه عزيز وإيلا؟ فالقواعد الأربعون في العشق الإلهي، قواعد بسيطة، قد يعرفها الجميع ولا يعرفونها.
وأكثر القواعد مدعاة للدهشة والاعتراض، ما يتعلق بضرورة التخلص نهائيا من قضية الاهتمام بآراء من حولنا فينا، والركون الى المعرفة الخاصة.
تقنيات
تعج الرواية بالقصص القصيرة، في ظروف وملابسات مختلفة، فالمعرفة لن تكتمل إلا بملازمة الفئات الضعيفة المهمشة والفقراء، كالشحاذ والمجذوم والعاهرة والسكير. وتناولت الساردة بضمير الغائب أحداث الحاضر، وما يتعلق بالماضي بضمير المتكلم.
وقدمت تقنيات تباينت بين السرد والمناجاة والوصف المعتدل للداخل والخارج، كان النصيب الأكبر منها للارتداد، فأكثر الأحداث والشخصيات والمواقف تقدم بهذه التقنية.
إضاءة
إليف شافاق كاتبة تركية ولدت في ستراسبورغ لوالدين هما الفيلسوف نوري بيلغين وشفق أتيمان. نُشر لها 12 كتاباً ثمانية منها روايات باللغتين التركية والإنجليزية، كما فازت بجائزة الرومي لأفضل عمل أدبي في تركيا.
ترجمت روايتها الأخيرة (قواعد الحب الأربعون) إلى لغات عدة، ونالت شهرة واسعة. وتقول الكاتبة إن نشأتها في عائلة لا تحكمها القوانين الذكورية التقليدية كان له كبير الأثر على كتابتها.

