عقب ثورة 25 يناير، نجحت فصائل تيار الإسلام السياسي في الصعود إلى المشهد المصري عقب سنوات من الإقصاء والتهميش، بعضها عاد حاملاً أجندات "العصور الوسطى" والإسلام الراديكالي، فحملوا تهديدات للمشهد المصري بصفة عامة، كانت لها تأثيرات وخيمة واضحة جدا على كافة الأصعدة والقطاعات.

فكان المشهد الثقافي الأكثر تأثرا بتلك الأجندات غير المناسبة لروح العصر، ولا لروح الإنسانية. وحاول العائدون لسُدة المشهد المصري مؤخرا أن يفرضوا توجهاتهم في ظل عهد تنظيم الإخوان من منطلق أن السيطرة على الحياة الثقافية يُعد بوابة كبيرة للمرور نحو السيطرة على الدولة كلها وفرض توجه الإسلام الراديكالي الذي يحملونه.

عميد الأدب العربي

ومن منطلق ذلك، شهدت مصر طيلة الفترة الأخيرة حديثا غريبا من نوعه بشأن "التماثيل" ومدى جواز وجودها وإتاحتها، في وقتٍ رمى البعض إلى كونها والآثار "حرام"؛ لأنها من "الأصنام" لدرجة أن مصر شهدت واقعة مؤسفة للغاية هي واقعة هدم تمثال لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين.

واقعة هدم تمثال لطه حسين عززت من مرجل الجدل في المشهد الثقافي المصري، إذ اعتبر المثقفون ذلك الأمر "وقاحة" ويشكل تهديدا للإرث الثقافي لمصر، ومحاولات من قبل تلك التيارات لطمس الهوية الثقافية المصرية.

محاولات لطمس الهوية

وفي السياق ذاته، يقول الناقد الأدبي الشاعر شعبان يوسف، مسؤول الأنشطة والفعاليات بالهيئة المصرية العامة للكتاب، لـ"البيان:"إن تلك المحاولات الخاصة بطمس الهوية الثقافية المصرية محاولة من قبل هؤلاء الرجعيين لإهانة رموز الفكر بمصر وتشويه صورتهم بوجه عام.

مشيرا إلى أن تلك الوقائع تكشف أن هناك بالفعل خُططاً واستراتيجيات خاصة لبعض الفصائل الإسلامية الرجعية من أجل هدم الإرث الثقافي المصري بدعاوى دينية"، مشيراًإلى أن هناك وقائع تورط فيها إسلاميون متشددون كذلك ليس في مصر وحدها لكن في دول أخرى مثلما حدث في سوريا لما تم هدم لأبي العلاء المعري.

حملات اعتداء

وكانت مصر كذلك قد شهدت طيلة الفترة الأخيرة حملات للاعتداء على تماثيل بعينها مثل تغطية تمثال أم كلثوم، وخروج فتاوى خاصة بأهمية هدم بعض التماثيل مثل هدم تمثال أبي الهول، وهي الفتوى التي أطلقها القيادي الجهادي مرجان سالم.

تأمين التماثيل

وقد ظهرت في السياق ذاته مطالب من قبل مثقفي مصر بضرورة تأمين تلك التماثيل ، لكن تلك المطالب تصطدم بحائط "صعوبة التنفيذ" وسبل التمويل.

تصرفات شخصية

وفي السياق ذاته، أكد الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار د.عبدالحليم نور الدين أن الاعتداء على التماثيل المصرية التي تجسد رموز الفكر المصري والعربي هي تصرفات شخصية غير مسؤولة، قائلا: "لا أستطيع أن أقول أن هناك توجها عاما من قبل الإدارة المصرية لهدم التماثيل أو غيره.

كما أنني لا أجزم بأن هناك فصائل كاملة تؤيد تلك الفكرة، موضحا أنه فيما يتعلق بتأمين تلك التماثيل يكون فقط مقتصرا على تأمين الآثار المصرية التي تخرج إلى معارض خارجية،أما التماثيل الأثرية المتواجدة بالمتاحف والمناطق الأثرية فعليها حراسة تمنع التعدي عليها.

وفيما يتعلق بالتماثيل العامة لرموز الفكر والثقافية فهي غير مؤمن عليها، ولا يوجد حراسة عليها، فهي ليست ملكا لأحد، وتتعرض بالتالي لتصرفات فردية كالاعتداء عليها، قائلاً: "لا يجب أن يتعرض أحد بأي داعٍ من الدواعي لتاريخنا وتراثنا، ولو حدث فإن ذلك تصرف همجي غير مسؤول وفردي لا يعبر عن توجه الدولة بأي حال من الأحوال.

هدم التماثيل!

وفي المقابل، فإن زعيم السلفية الجهادية بمصر مرجان سالم قد أكد لـ"البيان" على أن هناك توجها لدى تيار السلفية الجهادية برفض "التماثيل الفرعونية"، وتماثيل كل من هو فاسق أو خارج عن الدين الإسلامي، على اعتبار وصفه بأن الفراعنة كانوا "كُفّارا" وقد كانوا يجعلون الناس يعبدونهم، وبالتالي فلا يُعقل أن توجد تلك التماثيل في مصر؛ لأنها تخالف الشريعة الإسلامية من وجهة نظره!

وقد أكد بعض الفصائل المتشددة داخل تيار الإسلام السياسي بمصر على ضرورة هدم تماثيل بعض الأدباء والمفكرين، وذلك لكونهم يتهمون عددا منهم بالإلحاد وبمعاداة الدين الإسلامي، وازدراء الأديان.

نظرة قاصرة

 

يؤكد مثقفون على كون بعض الشخصيات المنتمية للتيار الإسلامي والذين يحملون أفكارا متشددة للغاية ينظرون للإبداع بنظرة قاصرة، ولا يستطيعون تميزه، وبالتالي هم في عداء دائم مع المبدعين والمثقفين بوجه عام، وقد شهد التاريخ المصري صولات وجولات من هذا الصراع التاريخي البارز الذي غلفته الدماء في فترة من الفترات، بسبب عدم تمكن هؤلاء من تذوق المعنى الحقيقي للفن والإبداع، فتورطوا في هدم تماثيل والدعوة لمصادرة كتب ومحاكمة أدباء وما إلى ذلك، وكلها ممارسات تثبت فساد علاقة المُتشددين الإسلاميين بالثقافة والأدب بوجه عام.