«أسقط في نفسي»، هي المجموعة الشعرية الجديدة للشاعرة نجوم الغانم، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بعد أن أصدرت لها الدار نفسها مجموعتها السابقة «لا وصف لما أنا فيه». في مستهل المجموعة الشعرية الجديدة، تكتب الشاعرة عن ذكرى مدينة «باد غريسباخ» الألمانية التي زارتها الشاعرة مرات عديدة. تتحدث عن هذه المدينة وكأنها مدينة طوباوية وغير حقيقية، مثل «المدن اللامرئية» للكاتب الايطالي ايتالو كاليفينو. إنها حلم مدينة في ذاكرة الشاعرة.
حالة تيه
ومن هذه المدينة الواقعية والمتخيلة في آن، تنتقل إلى الأمكنة الأخرى كما في قصيدتها «قبل أن تأتي الأمكنة»، وهي تصف حالة التيه ما بين الرمال والبحر، وعن آثار الأقدام التي تقتفي آثار الكائنات الأخرى. ثمة خسارة وفقدان أمام أسرار الحياة المغلقة ما بين الموت والموجة.
تقف الشاعرة أمام الكلمات الغامضة يائسة، تتذكر بطاقات البريد والأيام الشاحبة. إنها انكسارات روحية، تمتزج بالأحاسيس التي تحاول الانفلات من هذا السجن الروحي. وفي ساحة «باد غريسباخ» تعبّر عن اختلاجات صبي وأم، وتمثال القديس «فرانسيس».
تتحدث الشاعرة عن الفقر الذي يداهم مدينة الحلم، حيث لا يكون في عونهم سوى الله، كما ترى الشاعرة.
وتذهب في هذه القصيدة الطويلة إلى أبعد حد ممكن من صياغة معمارها من جديد، ذلك المعمار الذي لا نراه بأعيننا بل بأرواحنا، وهي تلقي الأضواء على مناطق مجهولة من هذه المدينة، ربما لا تراها سوى الشاعرة نجوم الغانم، وهي رؤية سينمائية صرفة، ليست بعيدة عن مهارتها كسينمائية أخرجت العديد من الأفلام الجادة والمؤثرة.
وأمام هذه الحالة، تستحضر قديسي المدينة وحوارييها وفقرائها.
لوحة ترسمها الشاعرة بمهارة عالية وبكلمات مكثفة، تختزل المشهد في «لوحة الهواء».
رموز كونية
القصيدة الثانية، هي «المطر العالق في حواشي الأشجار» إذ تتمته بشعرية عالية، وتتكرر مدينة «باد غريسباخ» ثانية عبر رموز كونية، تستعيرها من «جيروكي» وهي إحدى أكبر قبائل الهنود الحمر في اميركا، وتتحدث عن فقدان الأب، والملاك الحارس، والساحرات، والجنون.
أما في قصيدة «الرماد إلى النهر»، تتفاعل الشاعرة مع إحساس الخلاص من الحزن، عن اقتفاء آثار الأعوام الزائلة، عن الأماني، والرماد، والمطر.
تسعى الشاعرة إلى خلق من الذكريات المكسورة. وفي قصيدة «حافة الظلمة»، ترى الشاعرة العتمة والضوء في آن، ومصابيح العابرين، بين البصيرة والعمى. وفي «كخطوات الضوء بين شجرتين منسيتين» هناك بلدة نسيت ضجيج العام، وضاعت في الحكايات، حيث تتذوق الشاعرة مذاق الفصول.
تعيش الشاعرة في بلدة عمياء عّما يجري في الكون، وهي تجسد فكرة عزلة معظم مدننا العربية.
وينضوي تحت قسم «الينابيع» مجموعة من القصائد القصيرة منها: الأرواح تقترب من حيث يبدأ النبع»، و»في الكهف يختبئ صوت الماء»، و»عند منهى النبع»، و»أناشيد البراري في عزاء الينابيع» وهي تشترك في خاصية البحث عن عناصر النبع أينما كان والمخاطر التي تتهدد الكائن الإنساني.
وتعود الشاعرة إلى المدينة التي كرست معظم قصائدها إليها «باد غريسباخ» التي لا تصل إليها بعد عبور جميع الينابيع.
حياة موازية
في قصيدة «باقة أنجم من ــ أولريكي» تجد الشاعرة صديقة لها تعيش الحياة ذاتها في مدينة «باد غريسباخ»، تجد حياة موازية لحياتها مع هذه المرأة التي تشاركها وجدانها، وتتعلم منها أسماء الأشجار والنجوم وتفتح لها آفاق حياة لم تعشها.
ولم يؤثر انتقالها من شعر التفعيلة إلى قصيدة النثر على عذوبتها الشعرية، لأنها تتقن صنعة الشعر بمهارة البصيرة السينمائية، تلك العين التي لا تهمل التفاصيل.

