يرى الكثير من النقاد والشعراء أن شعر وأدب ثورات الربيع العربي لم يُكتب بعد رغم كثرة الدواوين والكتب الأدبية التي خرجت تتحدّث عن الثورة، ويبررون وجهة نظرهم بأن المستوى الشعري لما كُتب متواضع ولم يرقَ للتعبير عن عظمة هذا الحدث الذي عجزت عن وصفه الكلمات، فالبعض وصف لحظات وأيام الثورات العربية بأنها أكثر شعريةً وجمالاً من الشعر الذي تناولها، عن شعر الثورة وكيف يرى النقاد ما كُتب يدور هذا التحقيق.. كما أن البعض يرى أن الأعمال الشعرية ظلت مُقيدة ما بين استدعاء الماضي والنبوءة بالمستقبل.
مواكبة الثورة
يرى أستاذ اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة د.سيد بحراوي، أن الثورات العربية كانت كفيلة بالارتقاء بالأدب والنهوض به، مؤكداً أن الثورات لم تنتصر حتى الآن، لافتاً إلى استمرار الثورات خاصة الثورة المصرية حتى تحقق الأهداف التي قامت لأجلها، وأشار إلى أن الشعر كان الفن الأدبي الأكثر قدرة على مواكبة الثورة، عكس بقية الفنون النثرية التي لم تكن لديها نفس القدرة لمواكبته، وأضاف أن من خلال متابعته للدواوين التي صدرت بعد ثورات الربيع العربي وجد بها نضجاً حقيقياً خاصة في الشعر الذي تناول الثورات.
بينما تلفت أستاذ الأدب الفرنسي والترجمة غراء مهنا إلى أن: لشعر الثورة العديد من الملامح أهمها وأولها التواصل مع القديم، مشيرة في هذه النقطة إلى أن الشعراء تواصلوا مع الشعر القديم والإبداع في الماضي، مستدلة على ذلك بما كتبه الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي في قصيدته التي أهداها إلى أبي القاسم الشابي والتي تبدأ بشطر من شعر أبي القاسم؛ ليضيف إليها حجازي ثم ينتقل إلى شطر آخر من أبي القاسم، وهي القصيدة التي كان لها دور بارز في كل ثورات الربيع العربي خاصة الثورة التونسية:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة .. فلابد أن يستجيب القد.
تابعت: الملمح الثاني هو الأسطورة والخيال، وهو ما نراه في قصيدة أحمد درويش "صحوة العملاق" التي بها كثير من مصطلحات الأدب الشعبي والأسطوري، أما الملمح الثالث الحلم والكابوس، تقول عنه إن هذا الملمح يظهر بجلاء لدى الشاعر حسن طلب في إحدى قصائده عندما رأى أصوات الثوار نعيق غربان، والثوار أنفسهم غرابيب تروح وتغدو بلحي وجلابيب.. والملمح الرابع البعد عن الرمز والغموض، ففي عالم الثورة كل شيء يبدو باسمه فيكتب شعبان يوسف "هنا الناس ناس، هنا الروح روح، هنا الماء ماء، هنا النار نار، هنا الريح ريح" إلى آخره وتضيف غراء أن هناك استحداثاً لمعانٍ جديدة استحدثتها الثورة وصار للميدان معنى محدث، وهو معنى فريد وأصبح النفي والاستفهام للتأكيد على المعنى استنكارياً.. والملمح الخامس الشعر
والنبوءة، تشير غراء إلى شعراء توقعوا الثورة مثل جمال بخيت وعبد الرحمن الأبنودي، ولكنها ترى أن شعر الثورة لم يُكتب بعد فهي تجربة لم تكتمل، مؤكدة أن شعر الثورة يحتاج إلى العديد من الدراسات المتعمقة، لتختتم غراء كلامها بأن أجمل ما حققه شعر الثورة أن الشهيد يحتل مكاناً بارزاً فيه.
الأيديولوجيا واليوتوبيا
أكدت الناقدة وأستاذة الأدب المقارن بجامعة عين شمس د. منى طلبة، أن الشباب منحوا الثورات العربية شكلاً مختلفاً من خلال الجرافيتي والنكات والشعارات البسيطة التي رفعها الناس لشعر وأغانٍ، وترى طلبة أنه ملمح غريب على الثورات، مضيفة أن هؤلاء الشباب يواجهون الآن صراعاً أساسياً فبعد أن أبدعوا الثورة التي برزت كحلم وفن في مواجهة أيديولوجيات يواجهون صراع السلطة التي تحاول قمعهم وقمع كل إبداع.
وأشادت طلبة بالشعراء بعد الثورات العربية لأنهم غيّروا مسار الأدب وجعلوا البطولة الكاملة للبطل العادي، مبتعدين عن فكرة البطل الإله أو نصف الإله أو حتى القائد، مشددة على أن شعراء هذا العصر من حقهم الفخر بما حققوه في هذا النطاق.
أفق جديد
ويرى الناقد الكبير وأستاذ الأدب المقارن بجامعة عين شمس د. صلاح فضل، أنه إذا بدأ الشعراء يعبّرون عن الثورة ويتمتمون بها ولم يقطعوا بعد شوطاً جوهرياً للتعبير عن الثورة بكل أبعادها فإن النقاد بدورهم قد بدأوا يتمتمون ويحاولون بلورة بعض الأفكار الجوهرية التي يحتضنون بها شعر الثورة، داعياً كل الشعراء إلى الاهتمام بما يكتبه النقاد؛ لأنه يفتح أفقاً جديداً في تناول الشعر والتعبير عن الثورات وحماس الشعوب.
الثائر صلاح جاهين
الحديث عن الشعر الثوري والحماسي لا يستقيم دون التوقف عند المبدع الراحل صلاح جاهين" ، حيث يؤكد الناقد الأدبي د. علاء فاروق إلى إن صلاح جاهين كان بطبيعته ثورياً، والثورة مبدأ لا يتجزأ، وهذا ما كان عليه صلاح جاهين الثائر في كل حياته على مستوى العمل والحياة والاتجاه الفني أن الحالة الفنية لدى صلاح جاهين لها خصوصية فريدة، لافتاً إلى لجوء جاهين لتوظيف الموروث الشعبي والسيرة والموال والأغاني الشعبية الثورية في أعماله الشعرية واستمد منها لغة وإيقاعات وقوافي أعطت شعره الخصوصية التي نقلته إلى الشعر الحر.
