يعود الزائر خلال جولته في معرض "حقول أسيد" للفنان شوقي يوسف بغاليري غرين آرت في مجمع السركال بمنطقة القوز، إلى عوالم وأجواء رواية وشخصية "دون كيخوتة" لميغال دي سيرفانتس من دون أن يعرف دافع الربط بين اللوحات والشخصية الروائية لفارس من القرون الوسطى. هذه المقاربة تدفع الزائر إلى القيام بعدة جولات في المعرض الذي يستمر حتى 23 يونيو المقبل، والوقوف أمام كل لوحة والتمعن أو الاستغراق فيها حيث تفتح كل منها أفقاً واسعاً للاحتمالات والتأويلات والمعاني.

هرب الخطوط

قبل الدخول في عمق المضمون، نعود إلى سطح اللوحات وتقنيات يوسف، الذي رسم أعماله بخطوط ذات إيقاع سريع ورشيق، حتى يخال المتمعن أن بعضها تكاد تهرب من مساحات اللون في اللحظة الأخيرة، مما يولد إيقاعاً حركيا له جمالياته في خفة حركة شبح ما أو بقايا كائنٍ ما، لتنطلق الخطوط كرموش كثيفة أو تتشابك لتشكل هيكل جذع أو ذراع أو جزء من ساق في دوامة سريعة تكاد تحمل تكوينات خيوطه خارج اللوحة.

وفي رباعية لوحاته المرسومة على ورق الكرتون، تتحول شخوص لوحات يوسف بخطوطه الدقيقة والديناميكية إلى ما يشبه الفزاعة في حقل مهجور أو رقصة هيكل للألم وغيرها من التحولات.

وسرعان ما يدرك الزائر خلال جولاته المتكررة دوافع استعادته لأجواء "دون كيخوتة"، حيث تجمع رسومات يوسف بين الرقص على الألم وبين الكبرياء والرومانسية كما هي شخصية الفارس المتخيلة. وما يساهم في خصوصية وجماليات أسلوب يوسف هو شفافية الألوان التي كان اللون الأصفر فيها المهيمن على معظم اللوحات.

 

هضاب وسهوب

أما في لوحته الجدارية الأكبر فتشكل ألوان الفحم هضاباً وسهوباً لتبني الخطوط فوقها أشباح شخوص في معارك فيما بينها والتي لا يكاد يرى منها سوى بعض الملامح من تكوينات الخطوط. ومن ملحمة الجدارية، إلى لوحتين تمثلان خارطة الوطن العربي الذي يبدو في اللوحة الأولى بارداً شاحباً باللون الأصفر الذي تشوبه بعض الرماديات هنا وهناك، ومنها إلى جدارية خارطة الوطن المقلوبة بألوان الأكريليك القاتمة والمختلطة بفوضى مربكة للبصر.